منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > الحوار الإسلامي > منتدى الفقه
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 28-01-2016, 11:29 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 10

- جمع أُبَي بن كعب:
أ- واقع الجمع: إنّ قيام أُبَي بن كعب بجمع القرآن ضمن مصحف خاصّ به من الأحداث التاريخية التي نقلها أصحاب السير والتاريخ والأثر، حيث جمعه بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشتهرت قراءته - آنذاك - بين أهل الشام1.

ب- خصائص الجمع:

- ترتيب سوره قريباً من ترتيب المصحف الموجود اليوم بين أيدينا2.

- عدد السور: قيل: مائة وستّ عشرة سورة، وقيل: مائة وخمس عشرة سورة, بجعل سورتَي الفيل وقريش سورة واحدة، وزيادة سورتَي الخَلْع والحفد3.

- افتتاح المصحف بسورة الحمد واختتامه بالمعوَّذتين4.

- زيادة سورَتين، هما: سورة الخلْع (بسم الله الرحمن الرحيم * اللّهمّ إنّا نستعين ونستغفرك ونُثني عليك الخير * ولا نكفرك * ونخلَع ونترك مَن يفجرك)، وسورة الحفْد (بسم الله الرحمن الرحيم * اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد * وإليك

161
نسعى ونحفد * نخشى عذابك ونرجورحمتك * إنّ عذابك بالكفّار ملحَق)، حيث كان أبي بن كعب يدعو بهما في قنوته5.

- إسقاط البسملة بين سورتَي الفيل وقريش, باعتبارهما سورة واحدة بلا فصل بينهما6.

- افتتاح الحواميم بسورة الزمَر، فيكون عدد الحواميم عنده ثمانية7.

- اشتماله على بعض القراءات الشاذّة، من قبيل: قرأ: "هبنا" بدل
﴿بَعَثَنَا في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا8(يس: 52). وقرأ: "مرّوا فيه" أو "سعوا فيه" بدل ﴿مَّشَوْاْ فِيهِ في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ9 (البقرة: 20)...

ج- مصير الجمع:
روي عن محمد بن أُبَي بن كعب: أنّ أناساً من أهل العراق قدموا عليه، فقالوا: إنّا تحمّلنا إليك من العراق، فاخرج لنا مصحف أُبَي، فقال محمد: قد قبضه عثمان، قالوا: سبحان الله، أخرجه! قال: قد قبضه عثمان10. فلعلّ في كثرة إلحاحهم عليه ما يُحتمل معه علمهم بوجود مصحف أُبَي مع ابنه.

ونقل الطبري عن أبو كريب، عن يحيى بن عيسى، عن نصير بن أبي الأشعث، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، قال: أعطاني ابن عبّاس مصحفاً، فقال: هذا على قراءة أُبَي. قال أبو كريب: قال يحيى: فرأيت المصحف عند نصير فيه:
﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ﴾﴿أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾11. الأمر الذي يدلّ على أنَّ هذا المصحف كان موجوداً
162
على أقلّ تقدير إلى القرن الثاني, لأنَّ يحيى بن عيسى الكوفي الفاخوري توفّي عام 201هـ12.

قال الفضل بن شاذان: أخبرنا الثقة من أصحابنا: كان تأليف السور في قراءة أبي بن كعب بالبصرة في قرية يقال لها قرية الأنصار، على رأس فرسخين عند محمد بن عبد الملك الأنصاري13، أخرج إلينا مصحفاً، وقال: هو مصحف أُبَي رويناه عن آبائنا، فنظرت فيه، فاستخرجت أوائل السور، وخواتيم الرسل. وعدد الآي: فأوله فاتحة الكتاب...14.

2- جمع عبدالله بن مسعود:

أ- واقع الجمع: إنّ قيام عبدالله بن مسعود بجمع القرآن ضمن مصحف خاصّ به من الأحداث التاريخية التي نقلها أصحاب السير والتاريخ والأثر، حيث جمعه بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشتهرت قراءته - آنذاك - بين أهل الكوفة15.

ب- خصائص الجمع:

- الجمع وفْق الترتيب التالي: السبع الطوال، المِئين، المثاني، الحواميم، المُمتحنات، المفصَّلات16.
- إسقاط سورة الفاتحة من الجمع, ليس اعتقاداً بعدم قرآنيّتها، بل لأنّ الجمع سبب الحفظ عن الضياع، وسورة الفاتحة مأمونة عن الضياع, لكثرة قراءتها من

163
قِبَل المسلمين في صلواتهم اليومية17.

- إسقاط سورَتي المعوَّذتين "الفلَق" و"الناس", اعتقاداً منه أنَّهما ليستا من القرآن، بل هما للتعوّذ من العين والسحر18.
- عدد السور: مائة واثنتا عشرة سورة19.

- إثبات البسملة لسورة براءة20.
- التوسعة في قراءة ألفاظ القرآن، فكان ابن مسعود يجوِّز أن تُبدَّل كلمة إلى أُخرى مرادفتها، إذا كانت لتسهيل القراءة، ولا تضرّ بالمعنى القرآني، مثال: أقرأ ابن مسعود رجلاً:
﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ، فقال الرجل: طعام اليتيم، فردّها فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتسطيع أن تقول طعام الفاجر، قال: نعم. قال: فافعل21.

- اشتماله على زيادات تفسيرية أُدرجت على النصّ القرآني, لغرض الإيضاح22.

ج- مصير الجمع:
روي أنّه لمّا أُمِرَ بالمصاحف أن تغيّر - بعد توحيد المصاحف -، قال ابن مسعود: مَن استطاع أن يغلّ مصحفاً فليغلُل, فإنَّه مَن غلَّ يأت يوم القيامة23.
ونقل ابن النديم عن محمد بن إسحاق: رأيت عدّة مصاحف ذكر نسّاخها أنّها مصحف ابن مسعود، ليس فيها مصحفين متّفقين وأكثرها في رقّ كثير النسخ، وقد رأيت مصحفاً قد كتب منذ مائتي سنة فيه فاتحة الكتاب24.

164
3- مصاحف أُخرى:
أ- واقع هذه المصاحف:
بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, قامت جماعة من كبّار الصحابة بتأليف القرآن وجمع سوَره بين دفَّتين, بنَظمٍ وترتيب خاصّ، خوفاً على القرآن من الضياع، وأبرز هؤلاء الصحابة الذين اشتهروا بجمعهم مصاحف خاصّة بهم - غير ما سبق ذِكرهم -: أبو موسى الأشعري، حيث جمع مصحفاً سُمّي "لُباب القلوب"، واشتهرت قراءته بين أهل البصرة، والمقداد بن الأسود الذي اشتهرت قراءته بين أهل حمص ودمشق25.

ب- خصائص هذه المصاحف:
الطابع العامّ لهذه المصاحف ترتيبها سورها وفق ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم, بتقديم السبع الطوال على المئين، ثمَّ المثاني، ثمَّ الحواميم، ثمَّ الممتحنات، ثمّ المفصَّلات، مع وجود بعض الاختلافات في ما بينها في تقديم بعض السور أو تأخيرها داخل المجموعة نفسها، أو نسبتها إلى مجموعة أخرى, وذلك باجتهاد من الصحابة أنفسهم26.

ج- مصير هذه المصاحف:
تُلِفَت هذه المصاحف على عهد عثمان بعد قيامه بتوحيد المصاحف، حيث أرسل إلى كلّ أُفقٍ بمصحف ممّا نسخت لجنة توحيد المصاحف، وأمَر بما سواه من القرآن كان مجموعاً ضمن صحف أو ضمن مصحف جامع أن يُحرَق27.



يتبع


الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:30 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه
1- القرآن الكريم.
2- ابن النديم، الفهرست، ص29-30.
3- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص236، 239, ج4، ص340.
4- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص133، 172-179، 214، 497.
5- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج8، ص280.
6- المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ج2، ص585.
7- الطبري: جامع البيان عن تأويل أي القرآن، ج5، ص18.
8- العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج11، ص230-231.
9- الطوسي، رجال الطوسي، ص289.
10- تاريخ اليعقوبي، ج2، ص170-171.
11- ابن حنبل، مسند أحمد، ج1، ص414, ج5، ص129-130.
12- العسقلاني، فتح الباري، ج9، ص39.
13- ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب عليهم السلام, ج1، ص301-302.
14- ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3، ص11
15- ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج39، ص241-242.
16- البخاري، صحيح البخاري، ج6، ص99.

هوامش
1- انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29-30, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص239.
2- م. ن.
3- م. ن.
4- م. ن.
5- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص178-179.
6- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج4، ص340, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص497.
7- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص175-176.
8- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج8، ص280.
9- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص133.
10- انظر: المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج2، ص585.
11- انظر: الطبري، محمد بن جرير: جامع البيان عن تأويل أي القرآن، تقديم خليل الميس، ضبط وتوثيق وتخريج صدقي جميل العطّار، لاط، بيروت، دار الفكر، 1415هـ.ق/ 1995م، ج5، ص18.
12- انظر: العسقلاني، أحمد بن علي(ابن حجر): تهذيب التهذيب، ط1، بيروت، دار الفكر، 1404هـ.ق/ 1984م، ج11، ص230-231.
13- عدّه الشيخ الطوسي قدس سره من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام . انظر: الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن: رجال الشيخ الطوسي، تحقيق جواد القيومي الإصفهاني، ط1، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة، 1415هـ.ق، ص289.
14- انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29.
15- انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29, اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، م.س، ج2، ص170-171, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص239.
16- انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص176.
17- انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص176، 214.
18- انظر: ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج5، ص129-130, ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص176.
19- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص178.
20- انظر: العسقلاني، أحمد بن علي (ابن حجر): فتح الباري، ط2، بيروت، دار المعرفة، لات، ج9، ص39, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص177.
21- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص133.
22- انظر، ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب عليهم السلام, م.س، ج1، ص301-302.
23- انظر: ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج1، ص414,
24- انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29.
25- انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص30, الشيباني، علي بن أبي الكرم(ابن الأثير): الكامل في التاريخ، لاط، بيروت، دار صادر، 1386هـ.ق/ 1966م، ج3، ص111, الشافعي، علي بن الحسن (ابن عساكر): تاريخ مدينة دمشق، تحقيق علي شيري، لاط، بيروت، دار الفكر، 1415هـ.ق، ج39، ص241-242.
26- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص172-174.
27- انظر: البخاري، صحيح البخاري، م.س، ج6، ص99, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص236.
28- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص175-176.
29- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص176.

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:31 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 11

1- اختلافُ المصاحف:
بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم انبرى عدد من الصحابة لجمع القرآن خوفاً عليه من الضياع، فقام كلّ واحد منهم بجمعه وفق ترتيب خاصّ ضمن مصحف جامع. وبفعل اختلاف قابليات كلّ واحد منهم واستعداداته وقدراته, اقتضت طبيعة الحال وقوع الاختلاف بين هذه المصاحف. وقد أدّى هذا الاختلاف بين المصاحف إلى اختلاف الناس في ما بينهم، نظراً لأنّ كلّ قطر من أقطار الدولة الإسلاميّة آنذاك أضحى يقرأ بقراءة تختلف عن قراءة الأقطار الأخرى, تبعاً لقراءتهم على مصحف دون آخر.

وروي في غزْو مرج أرمينية: أنّه بعد ما رجع حذيفة من غزو الباب (مرج أرمينية ـ آذربيجان) قال لسعيد بن العاص, وكان بصحبته: لقد رأيت في سفري هذا أمراً لئن تُرِك ليختلفنَّ في القرآن، ثمَّ لا يقومون عليه أبداً! قال سعيد: وما ذاك؟ قال: رأيت أُناساً من أهل حمْص يزعمون أنَّ قراءتهم خير من قراءة غيرهم، وأنَّهم أخذوا القرآن عن المقداد، ورأيت أهل دمشق يقولون: إنَّ قراءتهم خير من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك, وأنَّهم قرأوا على ابن مسعود، وأهل البصرة يقولون مثل ذلك, وأنَّهم قرأوا على أبي موسى الأشعري ويسمّون مصحفه "لُباب القلوب". فلمّا وصل ركْب حذيفة وسعيد إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك

173
وحذَّرهم ما يخاف، فوافقه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكثير من التابعين. وقال له أصحاب ابن مسعود: ما تُنكر، ألسنا نقرأه على قراءة ابن مسعود؟! فغضب حذيفة ومَن وافَقه، وقالوا: إنَّما أنتم أعراب فاسكتوا، فإنَّكم على خطأ، وقال حذيفة: والله لئن عشتُ لآتيَنّ أمير المؤمنين ـ يعني عثمان ـ ولأُشيرنَّ عليه أن يحُول بين الناس وبين ذلك. فأغلظ له ابن مسعود، فغضب سعيد وقام، وتفرّق الناس، وغضب حذيفة وسار إلى عثمان، فأخبره بالذي رأى، وقال أنا النذير العريان فأدركوا الأمّة. فجمع عثمان الصحابة وأخبرهم الخبر، فأعظموه ورأوا جميعاً ما رأى حذيفة....1. وقد ذكر أصحاب السير والتاريخ حوادث أخرى مشابهة لهذه الحادثة2, استدعت التفكير مليّاً بالقيام بتوحيد المصاحف.

2- واقع توحيد المصاحف:

أمام هذا الواقع من الاختلاف بين الناس في أمر القرآن، عزم عثمان عام 25 للهجرة3 على تنفيذ مهمّة توحيد المصاحف، فأرسل إلى كلِّ أُفُق مَنْ يجمع المصاحف أو الصحف التي فيها قرآن، حتّى جُمِعَت، ثمَّ سلَقها بالماء الحار والخلّ، وقيل: أحرَقها، فلم يبقَ مصحف إلاّ فعل به ذلك، خَلا مصحف ابن مسعود، فامتنع أن يدفع مصحفَه إلى عبد الله بن عامر، فكتب إليه عثمان أن أشخِصه4.

وتجدر الإشارة إلى أنّ إجراء حرق المصاحف من قِبَل عثمان أدّى إلى ضياع كثير من الإشارات والتوضيحات المتعلّقة بنزول الآيات، ومكان نزولها، ومن نزلت فيهم،

174
وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها..., كما كان يبيّنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة، والتي كانوا يكتبونها على هامش مصاحفهم.

ومن ثمّ أرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصُحُف ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، ثمّ ندب لمهمّة توحيد المصاحف نفراً يخصّونه، ليشكّلوا نواة لجنة توحيد المصاحف، وهم أربعة: زيد بن ثابت (وهو من الأنصار)، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمان بن الحارث بن هشام (وهم قرشيّون)5.

وكان ابتداء الأمر في عمل اللجنة لزيد وسعيد، حيث سأل عثمان: مَن أكتَبُ الناس؟ قالوا: زيد، ثمَّ قال: فأيُّ الناس أفصح؟ قالوا: سعيد، فقال: فليُملِ سعيد، وليكتُب زيد6.

وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن, فاكتبوه بلسان قريش, فإنّه إنّما نزل بلسانهم, ففعلوا7.

ولكنّ هؤلاء الأربعة لم يستطيعوا القيام بالأمر لوحدهم، ومن ثمَّ استعانوا: بأُبيّ بن كعب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عبّاس، إلى تمام الاثني عشر رجلاً، فكان أُبَي بن كعب يُملي عليهم ويكتب الآخرون8.

وكان التساهل في مهمّة توحيد المصاحف واضحاً وجليّاً، حيث وردت في المصحف العثماني أخطاء ومناقضات إملائية لا يستهان بها، حيث إنَّهم عندما فرغوا من نَسْخ المصاحف أتَوا به إلى عثمان، فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى فيه شيئاً من لَحْن! لكن ستُقيمه العرب بألسنتها، ثمَّ قال: لو كان المُملي من

175
هُذَيل، والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا!9.

هذا مع وجود بعض الاختلافات بين النسخ المُرسلة إلى الآفاق الإسلامية, من قبيل: قرأ ابن عامر, وهو مقرىء الشام:
﴿جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾10 بالباء (بالزبر), لأنّ مصحف الشام فقط كانت فيه زيادة الباء، وقرأ الباقون بغير باء, لخلو مصاحفهم عن زيادة الباء11. وقرأ ابن عامر ونافع: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ12 بدون واو(وسارعوا), لعدم اشتمال مصحفي الشام والمدينة عليها، بينما قرأ الباقون من القرّاء بالواو, لاشتمال مصاحفهم عليها13.

واختلف المؤرِّخون في عدد المصاحف الموحّدة التي أُرسلت إلى الآفاق، فذهب البعض إلى أنّها كانت ستَّة حسب الأمصار المهمَّة: المكي، والشامي، والبصري، والكوفي، والمدني العامّ، والمدني الخاصّ الذي حبسه عثمان لنفسه وكان النسخة الأمّ أو الإمام التي يرجع إليها عند الاختلاف في مصاحف الأمصار، وقيل ثمانية: الكوفي، والبصري، والشامي، والمدني العام، والمدني الخاصّ، وثلاثة مختلف فيها هي: المكي، ومصحف البحرين، ومصحف اليمن. وقيل: إنّ عثمان أنفذ إلى مصر مصحفاً14. وأوفد عثمان قارئاً مع كلّ نسخة كان يرسلها إلى كلّ إقليم, يوافق قراءتهم، واختار زيد بن ثابت مُقرءاً للمدينة15.

وقد أبدى الصحابة رضاهم بفكرة توحيد المصاحف، إلا ابن مسعود لم يكن راضياً عن هذا الإجراء16. ولعلّ عدم رضاه راجع إلى استبعاده من لجنة توحيد

176
المصاحف, وهو الذي كان يتلقّى القرآن من فم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأجدر بهذا الأمر من زيد بن ثابت17.

ونُقِلَ عن الإمام علي عليه السلام تأييده لفكرة توحيد المصاحف، بقوله: "فوالله ما فعَل عثمان الذي فعَل في المصاحف إلاّ عن مَلأ منّا، استشارنا في أمر القراءات، وقال: بلَغني أنَّ بعضهم يقول: قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كُفراً، قلنا: فماذا رأيت؟ قال: أرى أن يُجمَع الناس على مصحفٍ واحد، فلا تكون فُرْقة ولا اختلاف. قلنا: فنِعمَ ما رأيت"18.

وكان الإمام علي عليه السلام حريصاً على الالتزام بما نتج عن لجنة توحيد المصاحف, حِفاظاً على كتاب الله من أن تمسَّه يد التحريف في ما بعد تحت ذريعة الإصلاح، حيث سأله بعض الناس عن إمكانية تغيير كلمة فيه، فأجابهم عليه السلام بحزم: "إنَّ القرآن لا يهاج اليوم ولا يحوَّل"19.

3- خصائص المصاحف العثمانية:

أ- الترتيب: موافقتها لترتيب المصحف الموجود الذي بين أيدينا20، وهي قريبة من ترتيب بعض مصاحف الصحابة، ولا سيما مصحف أُبَي بن كعب مع وجود بعض الاختلافات اليسيرة، منها: أنَّ الصحابة كانوا يعدّون سورة يونس من السبع الطوال، فكانت هي السورة السابعة ترتيباً في مصحف ابن مسعود، والثامنة في مصحف أُبَيّ بن كعب، لكنّ عثمان عمَد إلى سورة الأنفال فجعلَها هي وسورة براءة سابعة السبع الطوال، ظنّاً منه أنّها سورة واحدة، وأخَّر سورة يونس إلى سور المئين21.

177
ب. الإعجام(النقط) والشكل(التشكيل): خلو المصاحف العثمانية عن العلامات التي تمتاز بها الحروف المعجمة عن الحروف المهملة22, بسبب طبيعة الخطّ العربي آنذاك، فلا تمييز بين الباء والتاء، ولا بين الجيم والحاء والخاء...، مثال: ﴿تَبْلُو و(تتلو) في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ...23 24، و﴿نُنَجِّيكَ و(ننحّيك) في قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً...25 26.

وكذلك تجرّد المصحف عن الحركة والإعراب27, ما استدعى أن يقوم القارئ بنفسه بالتمييز بينهما عند القراءة, حسب ما يبدو له من قرائن, كما كان عليه أن يعرِف بنفسه وزن الكلمة وكيفية إعرابها أيضاً، مثال: في قوله تعالى:
﴿...وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾28، قرأ حمزة وحده: (إن تضل) بكسر الهمزة. والباقون بفتحها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة: (فتذكر) بالتخفيف والنصب. وقرأ حمزة: (فتذكر) بالتشديد والرفع. وقرأ. الباقون: (فتذكر) بالتشديد والنصب. وقرأ عاصم وحده: (تجارة حاضرة) بالنصب. وقرأ الباقون بالرفع. وقرأ أبو جعفر: (ولا يضار) بتشديد الراء وتسكينها. والباقون: (لا يضار) بالنصب والتشديد29.

ومن هنا، فإنّ خلو المصاحف الأوَّليَّة عن علائم فارقة شكّل سبباً بارزاً في حدوث الاختلاف في القراءات في ما بعد, إذ كان الاعتماد على الحفْظ والسماع،

178
وبطول الزمان ربَّما كان يحصل اشتباه في النقل أو خلْط في السماع. أضف إلى ذلك دخول ألسنة غير عربية إلى الإسلام بعد توسّع الفتوحات الإسلامية, فكان يتعذّر عليهم قراءة مصحف خالٍ من العلائم الإيضاحية المائزة، حتى لو تعلّموا اللغة العربية30.

4- مصير المصاحف العثمانية:

ليس بين أيدينا دليل قاطع على وجود المصاحف العثمانية الآن، فضلاً عن تعيين أمكنتها، وقد أفاد ابن الجزري أنّه رأى في زمانه مصحف أهل الشام، ورأى - أيضاً - مصحفاً في مصر. أمّا المصاحف الأثرية التي تحتويها خزائن الكتب والآثار في مصر، ويقال عنها: إنّها مصاحف عثمانية, فإنّنا نشكّ كثيراً في صحّة هذه النسبة, لأنّ بها زركشة ونقوشاً موضوعة كعلامات للفصل بين السور، ولبيان أعشار القرآن، ومعلوم أنّ المصاحف العثمانية كانت خالية من كلّ هذا، ومن النقط والشكل أيضاً. نعم، إنّ المصحف المحفوظ في خزانة الآثار بالمسجد الحسيني والمنسوب إلى عثمان مكتوب بالخطّ الكوفي القديم، مع تجويف حروفه وسعة حجمه جداً، ورسمه يوافق رسم المصحف المدني أو الشامي، حيث رسم فيه كلمة "من يردْد" من سورة المائدة، بدالين اثنين مع فكّ الإدغام, وهي فيها بهذا الرسم، فأكبر الظنّ أنّ هذا المصحف منقول من المصاحف العثمانية على رسم بعضها. وكذلك المصحف المحفوظ بتلك الخزانة، ويقال: إنّ علي ابن أبي طالب كتبه بخطّه، يلاحظ فيه أنّه مكتوب بذلك الخط الكوفي القديم، بيد أنّه أصغر حجماً، وخطّه أقل تجويفاً من سابقهن ورسمه يوافق غير المدني والشامي من المصاحف العثمانية، حيث رُسِمَت فيه الكلمة السابقة "يردّ" بدال واحدة مع الإداغام، وهي في غيرهما كذلك، فمن الجائز أن يكون كاتبه علياً أو أن يكون قد أمر بكتابته في الكوفة31.

179
5- الصحيح في مسألة جمع القرآن:
إذا أردنا أن نقوِّم عملية جمع القرآن بحسب ما ورد من روايات ووثائق تاريخية في هذا الصدد، فيمكن القول: إنّ الجمع مرّ بمراحل ثلاث هي:
أ- المرحلة الأولى: جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وهو عبارة عن تأليف السور وترتيب الآيات داخلها بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وذلك ضمن صُحُف غير مرتّبة السور ولا مجموعة بين دفّتين.

ب- المرحلة الثانية:
جمع الإمام علي عليه السلام: وهو عبارة عن جمع القرآن بين دفّتين ضمن مصحف جامع, وفق ترتيب النزول, بإيصاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل رحيله صلى الله عليه وآله وسلم, وتقسم هذه المرحلة إلى مرحلتين: الأولى: جمع القرآن بين دفتين ممّا تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف فراشه وعهد به إلى الإمام علي عليه السلام ليباشر بجمعه بعد رحيله صلى الله عليه وآله وسلم. الثانية: نسخ القرآن المجموع على نسخة من القرطاس، بعد أن كانت النسخة الأولى مكتوبة على العسب واللخاف والقرطاس والخشب...

وتجدر الإشارة إلى أنّ جمع زيد بن ثابت، والذي حصل بعد جمع الإمام علي عليه السلام لم يكن جمعاً لمصحف، بل لصحائف غير مرتّبة السور، فلم يأتِ بشيء جديد، فضلاً عن أنّ هذه الصحائف كانت نسخة خاصّة بالخليفة الأوّل، ثمّ أصبحت عند الخليفة الثاني، ثمّ ورثتها ابنته حفصة، ولم تكن هذه الصحائف متداولة بين المسلمين.

كما أنّ ما جمعه الصحابة ضمن مصاحف, كأُبَي بن كعب، وعبدالله بن مسعود، وغيرهما، جاء بعد جمع الإمام علي عليه السلام, ولم يقدّم شيئاً جديداً على ما جمعه الإمام علي عليه السلام, بل كان بعض هذه المصاحف يشتمل على اجتهادات من قِبَل الصحابة أدّت في ما بعد إلى وقوع الاختلاف بين الناس في قراءة القرآن.

ج- المرحلة الثالثة:
محاولة توحيد القراءات المختلفة والرسم في عهد عثمان بن عفان: والواقع أنّ هذه المحاولة لم يُكتَب لها تحقيق هدفها, لأنّها وقعت في المشكلة نفسها من الاختلاف، حيث كانت المصاحف العثمانية المُرسَلة إلى

180
الأمصار في ما بينها, قراءة ورسماً، ولم تفلح في توحيد القراءة والرسم. وعلى رغم ذلك فقد أمضى الإمام علي عليه السلام محاولة توحيد المصاحف تلك وأيّدها، ومنع في ما بعد أيّ محاولة لتصحيح المصحف, حتى ولو كانت تصحيحاً لأخطاء إملائية واضحة.


يتبع


الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:32 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه 1- القرآن الكريم.
2- ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3، ص111-112.
3- ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج39، ص241-242.
4- العسقلاني، فتح الباري، ج9، ص15-17.
5- المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ج2، ح4870، ص585, ح4784، ص586, ح4787، ص587.
6- اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص160، 170.
7- البخاري، صحيح البخاري، ج6، ص99.
8- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص164-166، 216.
9- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص211، 213، 329-332.
10- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج2، ص389، 462.
11- الترمذي، سنن الترمذي(الجامع الصحيح)، ج4، ص348-349.
12- الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج9، ص495.
13- ابن حنبل، مسند أحمد، ج1، ص5
14- النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج2، ص221.
15- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص330-333, ج2، ص216, ج5، ص180، 221.

هوامش 1- انظر، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، م.س، ج3، ص111-112, ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، م.س، ج39، ص241-242.
2- لمزيد من التفصيل، انظر: ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، م.س، ج39، ص240, ابن حجر، فتح الباري، م.س، ج9، ص15-16.
3-روى مصعب بن سعد بن أبي وقاص: سمع عثمان قراءة أُبَي، وعبد الله، ومعاذ، فخطب الناس، ثمّ قال: إنّما قبض نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم منذ خمس عشرة سنة، وقد اختلفتم في القرآن، عزمت على من عنده شيء من القرآن سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, لمّا أتاني به. انظر: المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج2، ح4870، ص585, ابن حجر، فتح الباري، م.س، ج9، ص15.
4- انظر: اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، م.س، ج2، ص170.
5- انظر: البخاري، صحيح البخاري، م.س، ج6، ص99, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص164-165, ابن حجر، فتح الباري، م.س، ج9، ص15-16.
6- انظر: ابن حجر، فتح الباري، م.س، ج9، ص16.
7- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص165.
8- انظر: ابن حجر، فتح الباري، م.س، ج9، ص16-17, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص211.
9- انظر: المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج2، ح4784، ص586, ح4787، ص587.
10- سورة آل عمران، الآية: 184.
11- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص462.
12- سورة آل عمران، الآية: 133.
13- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص389.
14- انظر: اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، م.س، ج2، ص160, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص216, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص329-330.
15- انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص330.
16- انظر، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، م.س، ج3، ص111-112, ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، م.س، ج39، ص241-242.
17- انظر: الترمذي، محمد بن عيسى: سنن الترمذي(الجامع الصحيح)، تحقيق وتصحيح عبد الرحمن محمد عثمان، ط2، بيروت، دار الفكر، 1403هـ.ق/ 1983م، ج4، ص348-349.
18- انظر: السيوطي، الإتقان، م.س، ج1، ص166.
19- انظر: الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج9، ص495.
20- انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص213.
21- انظر: ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج1، ص57, النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، م.س، ج2، ص221.
22- انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص331-332.
23- سورة يونس، الآية: 30.
24- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج5، ص180.
25- سورة يونس، الآية: 92.
26- انظر: م. ن، ص221.
27- انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص332-333.
28- سورة البقرة، الآية: 282.
29- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص216.
30- انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص333.
31- انظر: م. ن، ص330-331.
32- انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص226-228.

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:33 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 12

المحتوى التفصيلي:
1- نشأة القراءات ومراحل تطوّرها:
القراءات القرآنية هي: علم بكيفيّة أداء كلمات القرآن واختلافها بعَزْو النّاقلة1. وقد مرّت هذه القراءات بمراحل مختلفة يمكن إيجازها بالتالية:
أ- المرحلة الأولى: القراءة مباشرة من فم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: وهي المرحلة التأسيسية في القراءة، حيث كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهتمّون بتعلّم القرآن الكريم وحفظه وتلاوته وسماعه مباشرة من فم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن دون واسطة. ومن هؤلاء: الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام, وعبد الله بن مسعود، وأُبَي بن كعب، وزيد بن ثابت، وغيرهم2.

ب- المرحلة الثانية:
قراءة الصحابة: وتمتاز هذه المرحلة ببداية قراءة الصحابة على الناس وظهور مصاحف خاصّة بهم، بحيث اشتهرت قراءاتهم ومصاحفهم بين المسلمين في المناطق التي كانوا يتواجدون فيها، واصطبغت بأسمائهم في ما بين الناس، مثل: مصحف أُبَي بن كعب، ومصحف عبد الله بن مسعود،

189
ومصحف المقداد بن الأسود3...

ج- المرحلة الثالثة:
قراءة الأمصار: بعد أن قام عثمان بن عفان بتوحيد المصاحف، أمر بنسخ عدّة مصاحف من النسخة الأمّ الموجودة في المدينة عاصمة الخلافة، وعيّن زيد بن ثابت قارئاً للمدينة، وأرسل النسخ الأخرى إلى الأمصار المختلفة، فبعث نسخة مع عبد الله السائب المخزومي (ت: تقريباً عام 70هـ) إلى مكة، ونسخة مع أبي عبد الرحمن السلمي (ت: 47هـ) إلى الكوفة، ونسخة مع عامر بن عبد القيس (ت: 55هـ) إلى البصرة، ونسخة مع المغيرة بن شهاب المخزومي (ت: 91هـ) إلى الشام, وكان هؤلاء القرّاء يقومون بتعليم الناس كيفية تلاوة القرآن4.

د- المرحلة الرابعة:
قراءة التابعين: وهم خصوص القرّاء الذين لم يأخذوا القرآن مباشرة من فم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, بينما أخذوه من الصحابة، وأبرزهم: سعيد بن المسيب (ت: 92هـ)، وعبيد بن عميرات (ت: 74هـ)، ومجاهد بن جبر(ت: 103هـ)، وعلقمة بن قيس(ت:62هـ)، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي (ت: 72هـ)، وزر بن حبيش (ت: 82هـ)، وسعيد بن جبير(ت: 95هـ)، وعامر بن عبد القيس (ت: 55هـ)، ويحيى بن يعمر العدواني (ت: 90هـ)، ونصر بن عاصم (ت: قبل 100هـ)، والمغيرة بن أبي شهاب المخزومي (ت: بعد 70هـ)، وغيرهم5.

هـ- المرحلة الخامسة:
تأسيس علم القراءات: بدأت هذه المرحلة أوائل القرن الثاني للهجرة, فكانت مرحلة ازدهار علم القراءات وذروته، حيث ظهرت المدارس والمذاهب المختلفة في القراءات، ومن قرّاء هذه المرحلة: القرّاء السبع:

190
ابن كثير(ت: 120هـ)، وعاصم بن أبي النجود (ت128هـ)، ونافع المدني (ت: 159هـ)، ...6.

و- المرحلة السادسة: تدوين القراءات: بدأت هذه المرحلة أوائل القرن الثالث الهجري، حيث نشطت فيها حركة تدوين القراءات, بفعل ظهور الاختلافات الكثيرة بين القرّاء, ما استدّعى القيام بوضع ضوابط وقواعد لهذا العلم، فكان أوّل من كتب في قراءات القرآن: أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: 224هـ)، ثمّ أبو حاتم السجستاني (ت: 255هـ)، ثمّ أبو جعفر الطبري (ت: 310هـ)، ثمّ إسماعيل القاضي (ت: 282هـ)7.

ز- المرحلة السابعة:
حصر القراءات رسمياً: بدأت هذه المرحلة أواخر القرن الثالث الهجري، حيث بدأت عملية حصر القراءات رسمياً على يد ابن مجاهد أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس(245 - 324هـ), الذي كان أوّل من أضفى صبغة رسمية على ما يسمّى بالقراءات السبع8.

2- أسباب اختلاف القراءات:
يوجد أسباب عدّة ساهمت بوقوع الاختلاف في القراءات، أبرزها:
أ- اختلاف المصاحف العثمانية المُرسَلَة إلى الأمصار في ما بينها9.
ب- خلو المصاحف العثمانية من الإعجام والشكل10.
ج- اختلاف اللهجات: كان قرّاء القرآن يقرؤنه بلهجاتهم الخاصّة, ما استدعى وقوع

191
الاختلاف في القراءات وانتشاره بين الناس تدريجياً. مثال: إنّ اختلاف اللهجة يؤدّي أحياناً إلى حصول تقديم وتأخير في تلفظ حروف الكلمة الواحدة, فبني تميم وبعض ربيعة كانوا يقولون بدلاً من صاعقة وصواعق، صاقعة وصواقع11. وكانت قبيلة هذيل تُبدل الواو المكسورة بهمزة، فكانوا يلفظون كلمة وعاء: إعاء، وعلى ذلك كانت قراءة سعيد بن جبير لقوله تعالى: ﴿قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ12 بالهمزة (إعاء)13. هذا بالإضافة إلى الاختلافات التي كانت تحصل نتيجة للإظهار، والإدغام، والإشمام، والمدّ، والقصر، والإمالة، وما شابه ذلك.

ج- ظهور آراء واجتهادات من قِبَل القرّاء:
ابتعدت قراءة القرآن - أحياناً - بعد توحيد المصاحف عن السماع والنقل المطلوبين في الحكم بصحّة القراءة، وبفعل خلو المصاحف المُرسَلة إلى الأمصار من الإعجام والشكل, فلربّما كان بعض القرّاء يختار ما يراه مناسباً في المواضع الملتبسة عليه في القراءة, بما يؤدّي إلى إعمال الحدس والظنّ14.

1- أنواع اختلاف القراءات:
إنّ أنواع اختلاف القراءات ربَّما تفوق الحصْر15، أبرزها التالي:
أ- الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركات بقائها, بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب، ولا يغيّر معناه, من قبيل:
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ، و(وهل يُجازَى إلا الكفور).
192
ب- الثاني الاختلاف في إعراب الكلمة, بما يغيّر معناها، ولا يزيلها عن صورتها في الخط, من قبيل: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا و(ربنا باعَدَ بين أسفارنا).

ج- الاختلاف في تبديل حروف الكلمة من دون إعرابها, بما يغيّر معناها، ولا يغيّر صورة الخطّ بها, من قبيل:
﴿نُنشِزُهَا و(ننشرها).

د- الاختلاف في الكلمة, بما يغيّر صورتها في الكتابة، ولا يغيّر معناه, من قبيل:
﴿إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً و(إلا زقية واحدة).

هـ- الاختلاف في الكلمة, بما يزيل صورتها في الخطّ ويزيل معناها, من قبيل:
﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ و(طلع منضود).

و- الاختلاف بالتقديم والتأخير, من قبيل:
﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ و(وجاءت سكرة الحق بالموت).

ز- الاختلاف بالزيادة والنقص في الحروف والكلم, من قبيل:
﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ، و(وما عملت).

2- حصر القراءات:
أ- واقع حصر ابن مجاهد:
هو أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس (245-324هـ)، مقرىء بغداد، وأوّل من أضفى صبغة رسمية على القراءات السبع، حيث اختار أربعة قرّاء من المدينة ومكّة والبصرة والشام، وثلاثة من الكوفة، وجميعهم من قرّاء القرن الثاني، آخرهم الكسائي (ت: 189هـ). وكان ما شاع من قراءاتهم برواية تلاميذهم (مباشرة أو بالواسطة).

وقد أورد ابن مجاهد راويين فقط من بين تلاميذ مَنْ اختارهم من القرّاء ورواتهم، وذكر في كتابه روايتهما عن أستاذهما. وأدّى هذا العمل إلى أن تُنسى رواية التلاميذ الآخرين تدريجياً. والذين جاءوا بعد ابن مجاهد أضافوا إلى القراء السبعة ثلاثة قُرّاء، فصار عددهم

193
عشرة، وقد ساروا على طريقة ابن مجاهد, بالاكتفاء براويين لكلّ قارىء. ولحقَ هؤلاء أربعة، قرأوا بالشواذّ، وقد اعتُبِرَت قراءاتهم، وقَبِلَها أهل العامّة.

والقرّاء السبعة، هم: عبد الله بن عامر اليحصبي (ت118هـ), قارئ الشام، وعبد الله بن كثير الداري (ت120هـ), قارئ مكّة، وعاصم بن أبي النجود الأسدي (ت128هـ), قارئ الكوفة، وأبو عمرو زبان بن العلاء المازني (ت154هـ), قارئ البصرة، وحمزة بن حبيب الزيّات (ت156هـ), قارئ الكوفة - أيضاً -، ونافع بن عبد الرحمان الليثي (ت169هـ), قارئ المدينة، علي بن حمزة الكسائي (ت189هـ), قارئ الكوفة - أيضاً -.

والقرّاء المتمّمون للعشرة، هم: خلف بن هشام(229هـ) - راوي حمزة الزيّات -, قارئ بغداد، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت205هـ), قارئ البصرة، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي(ت130هـ), قارئ المدينة.

والقرّاء المتمّمون للأربعة عشر: وهم الذين قرأوا بالشواذ: ابن يسار(الحسن البصري)(ت110هـ), قارئ البصرة/ ومحمّد بن عبد الرحمان (ابن محيصن) (ت123هـ), قارئ مكَّة مع ابن كثير، سليمان بن مهران الأسدي(الأعمش) (ت148هـ), قارئ الكوفة16.

ب- تقويم حصر ابن مجاهد:
- تقويم القرّاء السبعة:
- القراء السبعة ليسوا من العرب، إلا ابن عامر وأبو عمرو17.

194
- جميع القرّاء السبعة عاشوا في القرن الثاني18.

- كان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمرّوا على ذلك، فلمّا كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب19.

- كان للكوفة نصيبها الأوفر من غيرها من الأمصار في القراءات السبع، حيث كان لها ثلاثة قرّاء: عاصم وحمزة والكسائي, وهم من الموالين لأهل البيت عليهم السلام20.

- تقويم القراءات السبع
21:
- استقراء حال الرواة يورث القطع بأنّ القراءات نُقِلَت إلينا بأخبار الآحاد، فكيف تصحّ دعوى القطع بتواترها عن القراء؟! على أنّ بعض هؤلاء الرواة لم تثبت وثاقته!

- التأمّل في الطرق التي أخذ عنها القرّاء، يُقطَع معه بأنّ هذه القراءات إنّما نُقِلَت إليهم بطريق الآحاد.

- اتّصال أسانيد القراءات بالقرّاء أنفسهم يقطع تواتر الأسانيد, حتى لو كان رواتها في جميع الطبقات ممّن يمتنع تواطؤهم على الكذب، فإنّ كلّ قارئ إنّما ينقل قراءته بنفسه.

- احتجاج كلّ قارئ من هؤلاء على صحّة قراءته، واحتجاج تابعيه على ذلك أيضاً، وإعراضه عن قراءة غيره, دليل قطعي على أنّ القراءات تستند إلى اجتهاد

195
القرّاء وآرائهم, لأنّها لو كانت متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحتج في إثبات صحّتها إلى الاستدلال والاحتجاج.

- إنّ في إنكار جملة من الأعلام المحقّقين على جملة من القراءات دلالة واضحة على عدم تواترها, إذ لو كانت متواترة لما صحّ هذا الإنكار.

3- مقياس قبول القراءات:
أ- مقياس المشهور من علماء القراءات:
وهو يقوم على تحقيق أربعة أركان22، هي:
- صحة الإسناد.

- موافقة اللغة العربية، ولو بوجه, بأن تكون موافقة لأي وجه من وجوه النحو, سواء أكان فصيحاً أم أفصح، مجمعاً عليه أم مختلفاً فيه اختلافاً لا يضرّ مثله إذا كانت القراءة ممّا شاع وتلقّاه الأئمّة بالإسناد الصحيح.

- موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً, بأن يكون ثابتاً فيها، ولو في بعضها دون بعضها الآخر.

- موافقتها للرسم العثماني ولو تقديراً, بحيث يكفي في الرواية أن توافق رسم المصحف, ولو موافقة غير صريحة.

ويلاحظ على هذا المقياس ما يلي23:
- أنّه يتّسم بالشمولية والسعة بالمقارنة مع ما ذكره مَنْ قَبله.

- يشمل كلّ القراءات الشاذّة والضعيفة, وذلك لأنّ خصائص رسم المصحف العثماني والأقوال المتعدّدة في الأدب العربي، يمكن أن تجعل الكثير من القراءات الضعيفة مطابقة لرسم المصحف ولقاعدة من قواعد النحو العربي، بشكل أو

196
بآخر. وفي هذه الحالة يفقد هذا المقياس أثره، ويصبح عملياً غير صالح لتمييز القراءات الصحيحة من الخاطئة.

ب- المقياس الصحيح:
وهو ما ذكره آية الله الشيخ محمد هادي معرفة قدس سره في كتابه التمهيد في علوم القرآن24، ويقوم على تحقيق الأركان التالية:
- موافقة القراءة مع الثبت المعروف بين عامّة المسلمين في مادّة الكلمة، وصورتها، وموضعها من النظم القائم, حسب تعاهد المسلمين، خلفاً عن سلف.
- موافقة القراءة مع الأفصح والأفشى في العربية.
- أن لا يعارضها دليل قطعي، سواء أكان برهاناً عقلياً، أم سنّة متواترة، أم رواية صحيحة الإسناد مقبولة عند الأئمّة25.

والصحيح هو:
أنّ أهمّ مقياس لقبول القراءة يكمن في انسجامها مع قراءات عامّة الناس التي توارثوها من جيل إلى جيل، وتكتسب الشروط الثلاثة المذكورة أصالتها, لأنّها تصبّ في اتّجاه تحقيق هذا المقياس.

4- الفرق بين القراءات والقرآن:

أجمع المسلمون بجميع نحلهم ومذاهبهم على أنّ ثبوت القرآن ينحصر طريقه بالتواتر، واستدلّ كثير من العلماء على تواتره, بتوافر الدواعي لنقله, لأنّه أساس الدين الإسلامي ومعجزة رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم, وكلّ شيء تتوافر الدواعي لنقله, لا بدّ وأن يكون متواتراً. وعليه، فما كان نقله بطريق الآحاد لا يكون من القرآن قطعاً26. وقد وقع الاشتباه بوجود تلازم بين تواتر القرآن وتواتر القراءات27، ويمكن إرجاع هذا الاشتباه إلى عاملين أساسيين، هما:

197
- العامل الأوّل: الخلط بين القرآن والقراءات، فرغم وضوح عدم تواتر القراءات، إلا أنّ البعض توهّم تواترها تبعاً لتواتر القرآن.
والواقع: أنّ القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان, فنصّ القرآن شيء، وكيفية قراءته شيء آخر تماماً، فالقرآن: هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها, من تخفيف وتثقيل وغيرهما28.

- العامل الثاني:
الخلط بين القراءات والأحرف السبعة، حيث ظنّ البعض أنّ قراءات القرّاء السبعة هي الأحرف السبعة نفسها التي أشارت إليها بعض الروايات من أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف29.

والواقع: أنّ القرآن نزل على حرف واحد ولا أساس لهذه الروايات التي هي بمجموعها ضعيفة السند أو مرسلة.
عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة"30. وعن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: "إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: كذبوا أعداء الله، ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد"31.

أضف إلى ذلك أنّه لا توجد أيّ علاقة بين القراءات والأحرف السبعة, إذ أنّ شهرة القرّاء السبعة وقراءاتهم إنّما ظهرت من بعد ما قام به ابن مجاهد من حصر للقراءات بالسبع، بينما كان هناك مَنْ هم أفضل منهم، وتوجد أيضاً في قراءة القراء السبعة قراءات شاذّة صرّح بها الأئمّة المختصّون في هذا المجال32.



يتبع


الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:34 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه 1- القرآن الكريم.
2- ابن الجزري: منجد المقرئين ومرشد الطالبين، ص30.
3- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص139، 197-198، 203-207، 215-217.
4- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص330، 338-348، 368-375.
5- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص318، 327-331، 334-336.
6- الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج1، ص93.
7- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج5، ص431.
8- ابن السكّيت: الكنز اللغوي، ص57.
9- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص13-132، 136-138، 141-142، 151-152.
10- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج2، ص119-155.
11- ابن حنبل، مسند أحمد، ج1، ص264, ج5، ص127, ص41.
12- البخاري، صحيح البخاري، ج4، ص80.
13- النيسابوري، صحيح مسلم، ج2، ص203, ص20
14- المتّقي الهندي، كنزل العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ج2، ص49-57.
15- الكليني، الكافي، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح12-13، ص630.

هوامش 1- انظر: ابن الجزري، محمد: منجد المقرئين ومرشد الطالبين، مراجعة محمد حبيب الشنقيطي, أحمد محمد شاكر، لاط، مصر، مكتبة القدسي, المطبعة الوطنية الإسلامية بالأزهر الشريف، 1350هـ.ق، ص30.
2- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص197.
3- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص197, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص338.
4- انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص330.
5- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص197, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص338.
6- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص197-198, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص338-339.
7- م. ن.
8- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص327, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص339-340.
9- انظر: الدرس الحادي عشر، واقع توحيد المصاحف.
10- انظر: الدرس الحادي عشر، خصائص المصاحف العثمانية.
11- انظر: الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص93.
12- سورة يوسف، الآية: 76.
13- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج5، ص431, الأهوازي، ابن السكّيت: الكنز اللغوي، لاط، بيروت، المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين، لات، ص57.
14-انظر: السيد الخوئي، أبو القاسم: البيان في تفسير القرآن، ط4، بيروت، دار الزهراء، 1395هـ.ق/ 1975م، ص152.
15- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص334-336.
16- لمزيد من التفصيل، انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص327-330, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص198, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص338-340، 368-375.
17- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص329.
18- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص327-329.
19- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص215-216.
20- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص13-132، 136-138، 141-142.
21- انظر: م. ن، ص151-152.
22- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص330-331, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص203-207, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص340-348.
23- انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص119-133.
24- انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص134-155.
25- م. ن، ص122 - 154.
26- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص123-124.
27- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص139.
28- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص318.
29- انظر: ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج1، ص264, ج5، ص127, ص41, البخاري، صحيح البخاري، م.س، ج4، ص80, النيسابوري، صحيح مسلم، م.س، ج2، ص203, ص204، المتّقي الهندي، كنزل العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج2، ص49-57.
30- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح12، ص630.
31- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح13، ص630.
32- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص215-217.
33- انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص221-226.

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:35 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 13

1- تطوّر اللغة العربيّة ورسمها:
ترتبط نشأة اللغات الإنسانيّة بتطوّرات الحياة الاجتماعية وتفاعلاتها، وتعدّ اللغة العربية من اللغات التي خضعت على طول مسيرتها لهذه القاعدة، حيث تعرّضت لكثير من التطوّرات, بفعل سعة بقعة انتشارها, فتعدّدت لهجاتها واختلفت، ولا سيما بعد الفتوحات الإسلامية1.

وتجدر الإشارة إلى أنّ اللهجة عبارة عن سلوك لغويّ له مميّزات لغويّة ذاتُ نظامٍ صوتيّ خاصّ تخصّ بيئةً معيّنة، يشترك فيها جميع أفراد تلك البيئة2. ومجال الاختلاف الأهمّ بين اللهجات هو الأصوات واختلاف معاني الوحدات الدلاليّة3.

وقد اشتهرت لهجة قريش أكثر من غيرها من اللهجات العربية الأخرى السائدة قبل الإسلام, كتميم وهذيل وغيرهما, للموقع الاقتصاديّ والدينيّ الذي كانت تتمتّع به مكّة آنذاك, ما أدّى إلى مزيد من الأثر في تهذّب لهجة قريش وتطوّرها, نتيجة الاختلاط بلهجات الشعوب والقبائل الأخرى، ثمّ كان لنزول القرآن الكريم بلهجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرشية بالغ الأثر في سيادة هذه اللهجة القرشية وصيرورتها اللغة الفصحى.

207 والمشهور أنّ العرب أخذوا لغتهم من الحيرة، التي أخذت من الأنبار، وأخذت الأنبار من الأنباط، وأخذ الأنباط لغتهم من الكتابة الساميّة الشماليّة المأخوذة من الكتابة الفينيقيّة، التي بدورها أخذت كتابتها من الكتابة السينائيّة الأمّ في سيناء.

وادّعي أنّ رسم العربيّة الشمالي أشتُقّ من الكتابة السريانيّة. والواقع أنّه لا دليل على ذلك، وغاية ما يمكن استفادته تأثير السريانية في الكتابة النبطية التي تأثر بها رسم العربيّة الشمالي.
وقد تفرّع الخطّ النبطي إلى نوعين من الخطوط: خطّ يشبه الخطّ الكوفي في خطوطه المستقيمة وزواياه، وخطّ نسخي حرفه أكثر استدارة وأسهل كتابة.

وبقي الخطّان - النسخي والكوفي - متداولان بين المسلمين، يعملون على تحسينهما وتطويرهما، حتى جاء ابن مقلة في بداية القرن الرابع للهجرة، وأدخل تحسينات هامّة جدّاً على الخطّ النسخي, ليصبح على ما عليه اليوم من جمال فائق، بخلاف الخطّ الكوفي الذي لم يلقَ أيّ تطوّر أو ازدهار حتى هُجِرَ تماماً4.

2- رسم العربية في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

لم يتمّ العثور على كتابات قرآنية تعود إلى الفترة النبوية، ولكنّ مكّة والمدينة كتبتا في تلك الفترة برسم العربيّة الشماليّ المعروف المتطوّر عن الرسم النبطي، وبخطّ مطاوع مستدير يمثّل أحد الخطّين المأثورَين عن الأنباط. ومن خصائص الخطّ المكيّ والمدنيّ أنّ في ألفاته تعويج إلى يمنة اليد وأعلى الأصابع، وفي شكله انضجاع يسير5.

وما يؤيّد هذه الآثار خرابيشُ منقوشة على الصخر في جبل سلع قرب المدينة المنوّرة، يرجع تاريخها إلى غزوة الخندق(الأحزاب) في السنة الخامسة للهجرة، وقد انتظمت هذه الخرابيش في كتابة كبيرة، في قسمها اليميني ذكر أبي بكر وعمر، وفي قسمها اليساري ذكر لأسماء منها: "أنا محمد بن عبد الله"، ومنها بخطّ كبير:

208 "أنا علي بن أبي طالب". أمّا ما كُتب على الرقّ، وهو محتمل النسبة، فهو رسائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي أرسلها إلى الملوك بعد عودته من الحديبية, ومنها رسائله إلى النجاشي، وهرقل، وكسرى، وغيرهم. وتُبرز هذه الخرابيش الحجرية والرقوق رسماً فيه ملامح الكتابة النبطية في ثوبها المتأخّر، فتغيب فيها الألفات الداخلية، والشكل، والإعجام، والشدّات، والهمزات، والمدّات، وقد كتبت بخطّ مستدير فيه تشبه ملامحه ملامح الخطّ النسخي الذي تطورّ في ما بعد6.

3- رسم المصحف العثماني:

يُراد بـ "رسم المصحف": صورة ما كُتِبَ في المصاحف العثمانية7. ويُراد بـ "فنّ رسم المصحف": "أوضاعُ حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطيّة"8.
والرسم الذي دوّنت به المصاحف العثمانية هو رسم العربية الذي كان سائداً في المدينة المنوّرة زمن الجمع العثماني سنة خمس وعشرين من هجرة النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم9.

وقد قال كثيرون بتوقيفيّة الرسم العثماني, وأنّه من عند الله تعالى، في حين ذهب آخرون إلى أنّه اجتهادٌ من الصحابة10.

وقد بيّن البحث المعاصر أنّ هذا الرسم - على المظنون - امتداد للرسم النبطي في ثوبه المتأخّر، حيث ورث كثيراً من سمات ذلك الرسم, فجاء غير معجم ولا مشكول, تغيب عنه الألفات الداخلية إجمالاً, ويعوزه كثيرٌ من المحدِّدات والرموز, كالشدّة، والهمزة، والمدّة, إلى غير ذلك من نواحي النقص والإبهام11.

209 4- مخالفات ومناقضات في رسم المصحف:
وردت في المصحف مخالفات ومناقضات في الرسم لا يستهان بها, وهي ترجع إلى قلّة خبرة أعضاء لجنة توحيد المصاحف أيّام عثمان في هذا المجال، حيث إنَّهم عندما فرغوا من نَسْخ المصاحف أتَوا بمصحف إلى عثمان، فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى فيه شيئاً من لَحْن! لكن ستُقيمه العرب بألسنتها، ثمَّ قال: لو كان المُملي من هُذَيل، والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا!12.

وتجدر الإشارة إلى أنّ القرآن وصل إلينا متواتراً في نقل كلماته وترتيبها, بالحفظ والنقل الشفوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، جيلاً بعد جيل، حيث توافرت الدواعي لنقله، وإن لم يكن متواتراً في كيفية أداء هذه الكلمات.

وعليه، فإنّ هذه المخالفات والمناقضات في الرسم لا تضرّ بالمعنى ولا بثبت النصّ القرآني المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد كان الإمام علي عليه السلام حريصاً على الالتزام بما نتج عن لجنة توحيد المصاحف، على الرغم من وجود مخالفات في الرسم والإملاء, حِفاظاً على كتاب الله من أن تمسَّه يد التحريف في ما بعد تحت ذريعة الإصلاح، حيث سأله بعض الناس عن إمكانية تغيير كلمة فيه، فأجابهم عليه السلام بحزم: "إنَّ القرآن لا يهاج اليوم ولا يحوَّل"13.

أ- نماذج من مخالفات الرسم
14:
-
﴿وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾15، والصَحيح: واختلاف اللَّيل...
- ﴿عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾16، والصحيح: علّام.
210 - ﴿بِالْغَدَاةِ﴾17، والصحيح: بالغداة.
-
﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ﴾18، والصحيح: لا ييأس.
-
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ﴾19، والصحيح: نبأ.

ب- نماذج من مناقضات الرسم
20:
-
﴿فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾21، ﴿لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾22.
-
﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾23، ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء﴾24.
-
﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ﴾25، ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾26.
-
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ﴾27، ﴿إِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ﴾28.
-
﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ﴾29، ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾30.

5- أوَّل مَن نقَّط المصحف:

كان الخطُّ عندما اقتبسه العرب من السريان والأنباط خالياً من الإعجام، ولا تزال الخطوط السريانية بلا إعجام إلى اليوم، وهكذا كان عليه الخطّ العربي حتّى منتصف القرن الأوَّل، ثمّ دخل عليه الإعجام في أواخر القرن الأوّل الهجري،

211 حيث تعرَّف الناس على نُقَط الحروف المعجمة وامتيازها عن الحروف المهملة, وذلك على يد يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، تلميذَي أبي الأسود الدؤلي، بعد أن اتّسعت الدولة الإسلامية، واختلط العرب بالعجم، فبدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف بين الناس، حتى ليشقّ على كثير منهم أن يهتدي لقراءة القرآن قراءة صحيحة من دون وجود إعجام31.

6- أوَّل مَن شكّل المصحف:

كان الخطّ العربي في أوّل عهده مجرَّداً عن التشكيل وعن كلِّ علامة تشير إلى حركة الكلمة أو إعرابها. وبعد توسّع الفتوحات الإسلامية، شعر المسلمون بوجود حاجة ماسّة إلى وضع علامات تشكيلية للمصحف تُؤمنهم من الوقوع في الخطأ واللحن عند قراءة القرآن، ولا سيما بعد دخول ألسنة عجموية على اللسان العربي32.

ونُقِلَ أنَّ أبا الأسود الدؤلي سمع قارئاً يقرأ:
﴿أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾33 ـ بكسر اللام (في رسوله) ـ فقال: ما ظننت أنَّ أمر الناس آلَ إلى هذا، فرجع إلى زياد بن أبيه ـ وكان والياً على الكوفة (50 - 53هـ)، وكان قد طلب إليه أن يصنع شيئاً يكون للناس إماماً، ويُعرَف به كتاب الله، فاستعفاه أبو الأسود، حتّى سمع بنفسه هذا اللحن في كلام الله، فعند ذلك عزم على إنجاز ما طلبه زيادـ وكان أبو الأسود يقول للكاتب: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف, فأنقط نقطة فوقه من أعلاه، وإن ضممت فمي, فأنقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت, فاجعل النقطة من تحت الحرف34.


يتبع


الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:36 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه 1- القرآن الكريم.
2- وافي، علم اللغة، ص96، 176-177.
3- السامرائي، التطوّر اللغويّ التاريخي، ص3
4- ابن خلدون، المقدّمة، ص417-421، 438.
5- ابن النديم، الفهرست، ص9، 45-46.
6- حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ص32، 99 - 142.
7- ابن الجزري، النشر في القراءات، ج1، ص446.
8- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص300، 310-316، 332-333.
9- السجستاني، كتاب المصاحف، ص22-24.
10- المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ج2، ح4784، ص586, ح4787، ص587.
11- الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج9، ص495.
12- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص369-372.
13- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص454، 456.

هوامش 1- انظر: وافي، علي عبد الواحد: علم اللغة، ط9، القاهرة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر ومطبعتها، لات، ص96.
2- انظر: السامرائي، إبراهيم: التطوّر اللغويّ التاريخي، ط3، بيروت، دار الأندلس، 1983م، ص34.
3- انظر: وافي، علم اللغة، م.س، ص176-177, السامرائي، التطوّر اللغوي التاريخي، م.س، ص34.
4- انظر: المغربيّ، عبد الرحمن(ابن خلدون): المقدّمة، لاط، بيروت، دار إحياء التراث العربي، لات، ص417-421.
5- انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص9.
6- انظر: حميد الله، محمد: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ط5، بيروت، دار النفائس، 1405هـ.ق/ 1985م، ص32، 99-142.
7- انظر: ابن الجزري، محمد: النشر في القراءات، تصحيح ومراجعة محمد علي الضباع، لاط، مصر، المكتبة التجارية الكبرى, مطبعة مصطفى محمد، لات، ج1، ص446, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص300.
8- انظر: ابن خلدون، المقدّمة، م.س، ص438.
9- انظر: السجستاني، سليمان بن الأشعث: كتاب المصاحف، تصحيح آرثر جفري، ط1، بغداد، مكتبة المثنى, مصر، مكتبة الخانجي, المطبعة الرحمانية، 1355هـ.ق/ 1936م، ص22-24.
10- انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص310-316.
11- انظر: السجستاني، كتاب المصاحف، م.س، ص22-24.
12- انظر: المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج2، ح4784، ص586, ح4787، ص587.
13- انظر: الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج9، ص495.
14- لمزيد من التفصيل، انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص369-371.
15- سورة البقرة، الآية: 164.
16- سورة المائدة، الآية: 109.
17- سورة الأنعام، الآية: 52.
18- سورة يوسف، الآية: 87.
19- سورة إبراهيم، الآية: 9.
20- لمزيد من التفصيل، انظر: م. ن، ص372.
21- سورة يونس، الآية: 49.
22- سورة الأعراف، الآية: 34.
23- سورة الشورى، الآية: 24.
24- سورة الرعد، الآية: 39.
25- سورة طه، الآية: 94.
26- سورة الأعراف، الآية: 150.
27- سورة إبراهيم، الآية: 34.
28- سورة النحل، الآية: 18.
29- سورة فاطر، الآية: 40.
30- سورة محمد، الآية: 14.
31- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص454, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص332.
32- م. ن..
33- سورة التوبة، الآية: 3.
34- انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص45-46.
35- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص456.
36- انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص9.

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:37 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 14

1- معنى الإعجاز:
أ- المعنى اللغوي:
العين والجيم والزاء أصلان صحيحان يدلّ أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخّر الشيء، فالأول: عجز عن الشيء يعجز عجزاً, فهو عاجز, أي ضعيف... ويقال: أعجزني فلان: إذا عجزت عن طلبه وإدراكه1. والعَجْزُ: أصلُه التَّأَخُّرُ عن الشيء، وحصوله عند عَجُزِ الأمرِ, أي: مؤخّره... وصار في التّعارف اسما للقصور عن فعل الشيء, وهو ضدّ القدرة2.

ب. المعنى الاصطلاحي:
المُعْجِز هو: الأمر الخارق للعادة، المطابق للدعوى، المقرون بالتحدّي3. والإعجاز هو: أن يأتي المدّعي لمنصب من المناصب الإلهية بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره شاهداً على صدق دعواه، مع إمكان صدق هذه الدعوى بحكم العقل، أو النقل الثابت عن نبي أو إمام معصوم4.
219
2- فلسفة تنوّع المعجزات:
روي أنّه سأل ابن السكّيت5 الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، فقال: لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالكلام والخطب؟ فقال عليه السلام: "إنّ الله لمّا بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات6، واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرء الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام، فأتاهم من عند الله من واعظه وحكمه, ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجّة عليهم"7.

ويُفهَم من هذه الرواية أنّ فلسفة تنوّع المعجزات تدور مدار الخاصّيّة الغالبة على أهل عصر مَن يُجري الله تعالى على يديه المعجزة, لتكون أبلغ في التأثير، وأظهر في التحدّي، وآكد في تصديق الدعوة.

3- التحدّي في القرآن:
أ- معنى التحدّي في القرآن:
التحدّي هو: المنع8. وقد جاء التحدّي في القرآن على نحوين:
- التحدّي الخاصّ: وهو التحدّي بالإتيان بمثل القرآن بلحاظ وجه خاصّ من

220
وجوهه الإعجازية9، من قبيل: شخصية مَنْ نزل عليه القرآن، حقائق القرآن ومعارفه، عدم الاختلاف في القرآن...

- التحدّي العام: وهو التحدّي بالإتيان بمثل القرآن كلّه أو جزء منه على وجه عامّ. وقد ورد هذا التحدّي في القرآن ضمن خمس آيات10 هي حسب ترتيب نزولها:
-
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾11.
-
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾12.
-
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾13.
-
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾14.
-
﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾15.

ب- خصائص آيات التحدّي:

- الآيات الأربعة الأولى آيات مكيّة، والآية الأخيرة آية مدنية16.

221
- تدلّ آيات التحدّي جميعها على أنّ القرآن آية معجزة خارقة من عند الله تعالى17.

- التحدي في الآيات عامّ لكلّ ما يتضمّنه القرآن الكريم من معارف حقيقية، وحجج وبراهين ساطعة، ومواعظ حسنة، وأخلاق كريمة، وشرائع إلهية، وإخبارات غيبية، وفصاحة وبلاغة...18

- آيات التحدّي مختلفة في العموم والخصوص، ومن أعمّها تحدّياً الآية الأولى19.
- إنّ كلّ واحدة من الآيات تؤمّ غرضاً خاصّاً من التحدّي يرجع إلى معانيه السامية ومقاصده العالية، حيث إنّ الآية الأولى واردة مورد التحدّي بجميع القرآن, لما جمع فيه من الأغراض الإلهية، ويختصّ بأنّه جامع لعامّة ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة. والآية الثانية واردة مورد التحدّي بسورة من القرآن, لما فيها من بيان غرض تامّ جامع من أغراض الهدى الإلهي, بياناً فصلاً من غير هزل. والآية الثالثة هي تحدٍّ بعشر من السور القرآنية, لما في ذلك من التفنّن في البيان والتنوّع في الأغراض من جهة الكثرة، ليظهر به أنّ تنوّع الأغراض القرآنية في بيانه المعجز ليس إلا من قبل الله.

والآية الرابعة هي تحدٍّ بما يعمّ التحدّيات الثلاثة السابقة, فإنّ الحديث يعمّ السورة والعشر سور والقرآن كلّه, فهو تحدٍّ بمطلق الخاصّة القرآنية. والآية الخامسة وردت مورد تأبيد التحدّي والتسليم لحقيقة أنّ القرآن كتاب منزل من عند الله لا ريب فيه، إعجازاً باقياً بمرّ الدهور وتوالي القرون20.

- إنّ نوع العناية بالتحدّي في الآية الثالثة غير نوع العناية بالتحدّي في الآيات الأخرى, ففي هذه الآيات تتعلّق العناية بالتحدّي بعدم قدرتهم على الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه,
لما أنّه قرآن مشتمل على جهات لا تتعلّق بها قدرة

222
الإنسان ولا يظهر عليها غيره تعالى وقد أطلق القول فيها إطلاقاً. بينما في الآية الثالثة وبملاحظة تعقيبها بقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ..., فإنّ نوع العناية بالتحدّي، إنّما هو بكون القرآن متضمّناً لما يختصّ علمه بالله تعالى ولا سبيل لغيره إليه. وهذا أمر لا يقبل الافتراء بذاته, فكأنّه قيل: إنّ هذا القرآن لا يقبل بذاته افتراء, فإنّه متضمّن لأمور من العلم الإلهي الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه، وإن ارتبتم في ذلك فأتوا بعشر سور مثله مفتريات تدعون أنّها افتراء، واستعينوا بمن استطعتم من دون الله، فإن لم تقدروا عليه, فاعلموا أنّه من العلم المخصوص به تعالى21.

- جاء التحدّي في هذه الآيات بالإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة أو عشر سور أو حديث منه، ومعنى التحدّي بالمثل أنّ الكلام لمّا كان آية معجزة، فلو أتى إنسان بما يماثله, لكفى في إبطال كونه آية معجزة، ولم يحتج إلى الإتيان بما يترجّح عليه في صفاته، ويفضّل عليه في خواصّه22.

4- من أبعاد إعجاز القرآن (التحدّي الخاصّ):

إنّ القرآن الكريم معجز كلّه باختلاف اللحاظات والجهات، وأبعاد إعجازه أعلى من أن تحصيها العقول، أو أن تدرك كنهها الأفهام. ومن الأبعاد الإعجازية التي اشتهر بحثها من قِبَل علماء القرآن والمفسّرين، ما يلي:
أ- شخصيّة مَنْ نزل عليه القرآن (شخصيّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم):
يُعدّ إيتاء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم القرآن وجهاً من وجوه الإعجاز، حيث يشهد التاريخ أنّه لم يتعلّم عند أيّ معلّم، ولم يتربّ عند أي مربّ، وطيلة مكوثه بين الناس إلى الأربعين من عمره لم يكن ينطق بعلم أو شعر أو نثر، ثمّ أتى بما أتى به دفعة واحدة, فأتى بما عجزت عنه فحولهم، وكلّت دونه ألسنة بلغائهم, فلم يقدر على معارضته

223
أنس ولا جانّ على طول التاريخ. وقد أشار القرآن الكريم نفسه إلى هذا الوجه الإعجازي23، مفنّداً افتراءات نسبة القرآن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تارة، وتلقيه إياه من بشر غيره تارة أخرى:
- قال تعالى:
﴿قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾24.
- قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾25.

ب- حقائق القرآن ومعارفه:
يشتمل القرآن الكريم على حقائق ومعارف عالية وسامية يحتاجها النوع الإنساني في تحقيق تكامله في ما يتعلّق بنشأته الدنيوية والأخروية, من إلهيّات، وأخلاقيّات، وعبادات، ومعاملات، وسياسات، واجتماعيّات...:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾26.

وقد أتى القرآن في جميع ذلك بالحقائق الراهنة، التي لا يتطرّق إليها الفساد والنقد في أيّ جهة من جهاتها، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا يحكم عليها حاكم النسخ، ولا يقضي عليها قانون التحوّل والتكامل. وهذا شيء يمتنع وقوعه عادة من البشر، ولا سيّما ممّن نشأ بين أمّة جاهلة لا نصيب لها من المعارف والعلوم27.

ج- عدم الاختلاف في القرآن:
يُعدّ عدم وجود اختلاف في القرآن أحد الوجوه الإعجازية فيه، فإنّ من طبيعة الكلام البشري بحكم نشأة المادّة وقانون التحوّل

224
والتكامل الحاكم فيها، أن يتطرّأ إليه بعض الاختلاف, تبعاً لتعرّض الإنسان لظروف مختلفة, من شدّة ورخاء، وحرب وسلم، وأمن وخوف...

وواقع الحال: أنّ القرآن الكريم الذي نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقرأه على الناس قطعاً قطعاً في مدّة ثلاث وعشرين سنة، في أحوال مختلفة، وشرائط متفاوتة، في مكّة والمدينة، في الليل والنهار، والحضر والسفر، والحرب والسلم، في يوم العسرة ويوم الغلبة، ويوم الأمن ويوم الخوف، مع ما فيه من معارف إلهية دقيقة وأخلاق فاضلة وأحكام فرعيّة مفصّلة، في جميع ما يحتاج إليه الإنسان في حياته الدنيوية والأخروية، بحيث لا يعتريه أدنى اختلاف في النظم المتشابه، أو تناقض في المعارف التي يلقيها. فلو كان من عند غير الله لاختلف النظم وتناقض المعنى28.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الوجه الإعجازي بقوله تعالى:
﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾29.


يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:37 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه
1- القرآن الكريم.
2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج2، ص3, ج4، ص232.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص547.
4- الطريحي، مجمع البحرين، ج4، ص25.
5- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص33-34، 45-67، 94، 97-98.
6- الكليني، الكافي، ج1، كتاب العقل والجهل، ح20، ص24.
7- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص59، 62-64، 66-67، 68, ج10، ص162، 167-170.

هوامش
1- انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج4، مادّة"عجز"، ص232.
2- انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"عجز"، ص547.
3- انظر: الطريحي، فخر الدين: مجمع البحرين، ط2، طهران، نشر مرتضوي, مطبعة چاپخانهء طراوت، 1362هـ.ش، مادّة "عجز"، ج4، ص25.
4- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص33-34.
5- هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقي الأهوازي الشيعي, أحد أئمّة اللغة والأدب، ذكره كثير من المؤرّخين وأثنوا عليه، وكان ثقةً جليلاً من عظماء الشيعة، ويُعدّ من خواصّ الإمامين التقيّين عليهما السلام، وكان حامل لواء علم العربية والأدب والشعر واللغة والنحو، له تصانيف كثيرة مفيدة، منها: كتاب تهذيب الألفاظ، وكتاب إصلاح المنطق.
6- الآفات الواردة على بعض الأعضاء، فيمنعها عن الحركة, كالفالج، واللقوة. ويطلق المزمن على مرض طال زمانه.
7- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب العقل والجهل، ح20، ص24.
8- انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج2، مادّة"حد"، ص3.
9- سيأتي الحديث عنها مفصّلاً في عنوان "أبعاد إعجاز القرآن(التحدّي الخاصّ)".
10- تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الآيات تدخل تحت عنوان التحدّي الخاصّ -أيضاً-, كالتحدي ببلاغتها.
11- سورة الإسراء، الآية: 88.
12- سورة يونس، الآية: 38.
13- سورة هود، الآية: 13.
14- سورة الطور، الآيتان: 33-34.
15- سورة البقرة، الآيتان: 23-24.
16- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص59، 68.
17- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص59.
18- انظر: م. ن، ج1، ص59, ج10، ص162.
19- انظر: م. ن، ج1، ص59.
20- انظر: م. ن، ج1، ص59, ج10، ص167-169.
21- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج10، ص169.
22- انظر: م. ن، ص169-170.
23- لمزيد من التفصيل في هذا الوجه الإعجازي، انظر: الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص63-64, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص45-55.
24- سورة يونس، الآية: 16.
25- سورة النحل، الآية: 103.
26- سورة النحل، الآية: 89.
27- لمزيد من التفصيل في هذا البعد الإعجازي ومصاديقه، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص62-63, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص58-67.
28- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص66-67, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص55-58.
29- سورة النساء، الآية: 82.
30- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص68.
31- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص94, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص68.
32- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص97-98.

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:39 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 15

- الإخبار عن الغيب:
تحدّى القرآن الكريم بالإخبار عن بعض الغيب بآيات كثيرة، ما كان للناس أن يعلموها ولا من شأنهم أن يطّلعوا عليها لولا إخبار القرآن الكريم بها، ومن هذه الإخبارات الغيبية:
أ- إخبار القرآن عن بعض الحوادث الماضية الخافي أمرها وحقيقتها عن الناس، منها:
- قوله تعالى بعد سرد قصّة النبي نوح عليه السلام وقومه:
﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ1.
- قوله تعالى بعد سرد قصّة النبي يوسف عليه السلام وأخوته
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ2.
- قوله تعالى بعد سرد قصة مريم عليها السلام:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ3.
231
ب- الإخبار عن بعض الحوادث المستقبلية الخافي أمرها وحقيقتها عن الناس، منها:
- قوله تعالى في انغلاب الروم ثمّ غلبتهم:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ4.
- قوله تعالى في رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة بعد الهجرة:
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ5، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا6.

إلى غير ذلك من الآيات التي تبيّن حقائق علمية مجهولة للناس زمن نزول القرآن، كشف عنها العلم الحديث في عصرنا الحاضر، أو أخبار تنبّئ عن الحوادث العظيمة التي تستقبل الأمّة الإسلامية أو الدنيا عامّة بعد نزول القرآن7.

2- الكشف عن حقائق علمية:

كشف القرآن الكريم عن معارف وحقائق كونيّة وقوانين طبيعية لا سبيل إلى معرفتها في زمن نزول القرآن إلا عبر الوحي الإلهي، وبعض هذه الحقائق لم يتّضح للناس إلا بعد توافر العلوم وتقدّم البشرية وتطوّرها في فترة متأخّرة، وبعضها الآخر لا يزال مجهولاً بالنسبة إليهم حتى الآن. ومن هذه الحقائق التي كشف عنها الوحي الإلهي، وتنبّه لها العلم الحديث، ما يلي8:

232
أ- دور الرياح في تلقيح النبات والأشجار: قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ...9، حيث أثبت العلم الحديث أنّ النباتات والأشجار تحتاج إلى اللقاح لكي تثمر، وعملية التلقيح هذه تحصل بواسطة الرياح التي تحمل اللقاح من مكان إلى آخر.

ب- ظاهرة الزوجية: قال تعالى:
﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ10، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ11،﴿...وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ...12، حيث تصرّح هذه الآيات بعموميّة ظاهرة الزوجية التكوينية لكلّ شيء أوجده الله تعالى في هذا الكون.

ج- حركة الأرض ودورانها: قال تعالى:
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا...13، حيث تصوّر هذه الآية الأرض على شكل مهد بالنسبة لمن عليها، وهذه الحالة ناجمة عن الحركة الموضعية والانتقالية للأرض، ومثلما تكون حركة المهد سبباً لسكينة الطفل ونموه, كذلك تؤدّي حركة الأرض إلى تكامل الإنسان وتطوّره.

د- كرويّة الأرض: قال تعالى:
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا...14، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ15، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ. حيث إنّنا لو فرضنا أنّ الأرض مسطّحة, فلا يمكن أن يكون لها أكثر من مشرق ومغرب في وقت واحد, إلا على فرض كرويّتها وتبدّل أوضاعها وحالاتها بالنسبة إلى الشمس.
233
3- الفصاحة والبلاغة (البيان):
من أبعاد إعجاز القرآن فصاحته وبلاغته، حيث تحدّى بهما العرب الذين بلغوا مبلغاً لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدّمة عليهم أو المتأخّرة عنهم، ووطئوا موطئاً لم تطأه أقدام غيرهم, في كمال البيان، وجزالة النظم، ووفاء اللفظ، ورعاية المقام، وسهولة المنطق16:
قال تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ17.

وقال تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ18.

وقد طالت مدّة التحدّي، وتمادى زمان الاستنهاض, فلم يجيبوه إلا بالتجافي، ولم يزدهم إلا العجز، ولم يكن منهم إلا الاستخفاء والفرار:
﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ19.

ويمكن الإشارة إلى بعض خصائص هذا الإعجاز20، في ما يلي:
أ- دقيق تعبير القرآن ورقيق تحبيره: حيث وضع القرآن كلّ لفظٍ موضعه الأخصّ، إذا أُبدل بغيره جاء منه فساد معنى الكلام أو سقوط رونقه، من قبيل: تقديم السمع على البصر في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ
234
تَشْكُرُونَ21, لأنّ السمع أرقى وأعقد وأدقّ وأرهف من جهاز البصر.

ب- طرافة سبك القرآن وغرابة أُسلوبه: فسبكه جديد، وأُسلوبه فريد، لا هو شعر كشعر العرب، ولا هو نثر كنثرهم، ولا فيه تكلّف أهل السجع والكهانة، على أنّه جَمَع بين مزايا أنواع الكلام الرفيع, فيه أناقة الشعر، وطلاقة النثر، وجزالة السجع الرصين، وجميع آيات القرآن تشهد بذلك.

ج- عذوبة ألفاظ القرآن وسلاسة عباراته: حيث تبتهج له الأرواح وتنشرح له الصدور، في رونق جذّاب وروعة خلاّبة, حتى أنّ بعض الألفاظ الغريبة في نفسها, إذا ما استعملها القرآن الكريم بدت غاية في الحسن في النظم، من قبيل: لفظة "ضِيزَى" في قوله تعالى:
﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى22، حيث إنّ الآية في معرض الإنكار على العرب بجعلهم الملائكة والأصنام بنات لله - والعياذ بالله - مع وأدهم البنات، فقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى23، فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملائمة لغرابة هذه القِسمة التي أنكرها عليهم، وكانت الجملة كلّها كأنّها تصوّر في هيئة النطق بها، الإنكار في الأُولى والتهكّم في الأُخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة.

د- تناسق نظم القرآن وتناسب نغمه: حيث يجد السامع لذّةُ، بل وتعتريه نشوةٌ, إذا ما طرق سمعه جواهر حروف القرآن، من قبيل قوله تعالى:
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى
235
أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى * أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى24. فهذه فواصل متساوية في الوزن تقريباً ـ على نظام غير نظام الشعر العربي ـ متّحدة في حرف التقفية تماماً، ذات إيقاع موسيقي متّحد نابع من تآلف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل، ومردّه إلى الحسّ الداخلي والإدراك الموسيقي، الذي يَفرق بين إيقاع موسيقي وآخر.

هـ- تجسيد معاني القرآن في أجراس حروفه: حيث تتواءم أجراس حروفه مع صدى معانيه، ويتلاءم لحن بيانه مع صميم مراميه, مِن وعد أو وعيد، وترغيب أو ترهيب، من قبيل قوله تعالى:
﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ25، وكأنّك تحسّ بسمعك صوت هذه الريح العاتية، ولها صرير وصراخ وقعقعة وهياج، تَنسف وتُدمّر كلّ شيء, فتُصوّر وقع عذاب شديد ألمّ بقوم ظالمين.

و- الترابط والتناسق المعنوي في القرآن: فالقرآن منتظم السياق، متلاحم الألفاظ والمعاني، متواصل الأهداف والمباني, حيث إنّك تجد ذلك في ترابط الكلمات داخل الآية الواحدة، وترابط الآيات داخل السورة الواحدة، وترابط السور داخل القرآن, ضمن تناسق معنوي معجز وباهر.

ز- حسن تشبيهات القرآن وجمالُ تصويراته: فتشبيهاته من أمتن التشبيهات الواقعة في فصيح الكلام، وأجمعهنّ لمحاسن البديع، وأوفاهنّ بدقائق التصوير، ورقائق

236
التعبير، ورحائق التحبير، من قبيل قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا26, حيث إنّه شبّه انتشار الشيب باشتعال النار في سرعة التهابه، وتعذّر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، وأنّه لم يبقَ بعده إلاّ الخمود! فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبَّه والمشبَّه به.

ح- جودة استعارات القرآن وروعةُ تخييلاته: حيث أبدع القرآن فيها وأجاد إجادةَ البصير المُبدع، وأفاد إفادةَ الخبير المضطلع، في إحاطة بالغة لم يعهد لها نظير، ولم يخلفه أبداً بديل، من قبيل قوله تعالى:
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ27, ففي استعارة النطق من الإنسان إلى الأرض والسماء وهما من الجماد، والنطق إنّما هو للإنسان لا للجماد.

ط- لطيف كنايات القرآن وظريف تعريضاته: فكناياته أوفى الكنايات وأدقّهنّ وأرقّهنّ، حيث لم تفته لطافةٌ في كناية، ولا ظرافةٌ في تعريض، من قبيل قوله تعالى:
﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ28, هذا مَثل ضَربه الله للحقّ وأهله والباطل وحزبه، فكنّى بالماء عن العِلم، وبالأدوية عن القلوب، وبالزَبد عن الضلال. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ29, فإنّ سؤالها لإهانة قاتلها وتوبيخه.
237
4- التصوير الفنّي:
يشكّل التصوير الفنّي وجهاً إعجازياً من وجوه القرآن الإعجازية, وذلك بفعل خصائص القرآن الكريم في تصوير المشاهد والمعاني المختلفة، وفق تخييل فنّي فائق الروعة، يجذب القلوب والأبصار ويأسرها بسحره وجماله. وقد تجلّى ذلك من خلال تصويره لمشاهد الطبيعة الحيّة، وآثار الفضائل والرذائل والمحاسن والمساوىء، وقصص الماضين من الأنبياء عليهم السلام وأممهم، وضرب الأمثال، وأحوال المعاد والقيامة والحساب...، حيث يجد من يعالجها قمة في الجمال وروعة في التصوير الفنّي, حتى كأنّه يشاهدها حاضرة عنده30.

ومن المشاهد الفنّية التي صوّرها القرآن الكريم، ما يلي:
أ- مشاهدة يوم القيامة: قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ31، حيث تصوّر هاتان الآيتان مشهداً مزدحماً بذلك الحشد المتماوج، تكاد العين تبصره بينما الخيال يتملاّه، والهول الشاخص يذهله، فلا يكاد يبلغ أقصاه، وهو هول لا يُقاس بالحجم والضخامة، ولا يمكن أن يعبّر عن عظمته بحسر كلماته وأسلوبه الخاصّ... المرضعات الذاهلات عمّا أرضعن، والحاملات الملقيات حملهنّ، والسكارى وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد32.
238
ب- حبط أعمال الكافرين: قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ33, تصوير حبط أعمال الكافرين بمشهد حركة الريح في يوم عاصف, تذرو الرماد، فتذهب به بدداً، إلى حيث لا يجتمع أبداً34.

ج- عاقبة الشرك بالله: قوله تعالى:
﴿... وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ35. هكذا في ومضة، يخرّ من السماء من حيث لا يدري احد، فلا يستقرّ على الأرض لحظة، إنّ الطير لتخطفه، أو إنّ الريح لتهوي به... وتهوي به في مكان سحيق! حيث لا يدري احد كذلك! وذلك هو المقصود36.


يتبع

239



الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:39 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه 1- القرآن الكريم.
2- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص64-65، 68.
3- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص67-77.
4- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج5، ص10-422.
5- سيّد قطب، التصوير الفنّي في القرآن، ص36-37، 39، 43، 62.

هوامش 1- سورة هود، الآية: 49.
2- سورة يوسف، الآية: 102.
3- سورة آل عمران، الآية: 44.
4- سورة الروم، الآيات: 2-4.
5- سورة القصص، الآية: 85.
6- سورة الفتح، الآية: 27.
7- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص64-65, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص67-70.
8- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص70-77.
9- سورة الحجر، الآية: 22.
10- سورة الذاريات، الآية: 49.
11- سورة يس، الآية: 36.
12- سورة الرعد، الآية: 3.
13- سورة طه، الآية: 53.
14- سورة الأعراف، الآية: 137.
15- سورة المعارج، الآية: 40.
16- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص68.
17- سورة هود، الآيتان: 13-14.
18- سورة يونس، الآيتان: 38-39.
19- سورة هود، الآية: 5.
20- لمزيد من التفصيل، انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج5، ص10-422.
21- سورة النحل، الآية: 78.
22- سورة النجم، الآية: 22. والضيز: الجَور, أي فهي قِسمة جائرة.
23- سورة النجم، الآيتان: 21-22.
24- سورة النجم، الآيات: 1-22.
25- سورة آل عمران، الآية: 117.
26- سورة مريم، الآية: 4.
27- سورة فصّلت، الآية: 11.
28- سورة الرعد، الآية: 17.
29- سورة التكوير، الآيتان: 8-9.
30- انظر: الشاذلي، إبراهيم (سيد قطب): التصوير الفنّي في القرآن، ط16، القاهرة، دار الشروق، 1423هـ.ق/ 2002م، ص36-37.
31- سورة الحج، الآيتان: 1-2.
32- انظر: سيد قطب، التصوير الفنّي في القرآن، م.س، ص62.
33- سورة إبراهيم، الآية: 18.
34- انظر: سيد قطب، التصوير الفنّي في القرآن، م.س، ص39.
35- سورة الحج، الآيةّ: 31.
36- انظر: سيد قطب، التصوير الفنّي في القرآن، م.س، ص43.
37- انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج4، ص138-191.

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:40 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 16

- معنى التحريف:
أ- المعنى اللغوي:
الحاء والراء والفاء ثلاثة أصول: حدّ الشيء، والعدول، وتقدير الشيء.. والأصل الثاني: الانحراف عن الشيء. يُقال: انحرف عنه ينحرف انحرافاً. وحرفته أنا عنه, أي عدلت به عنه, وذلك كتحريف الكلام, وهو عدله عن جهته"1. "وتَحريفُ الشيء: إمالته, كتحريف القلم. وتحريف الكلام: أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين، قال عزّ وجلّ:
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾2،و ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾3، و ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾4"5.

وعليه، فالتحريف لغة هو: تغيير معنى الكلمة والعدول بها عن مقصدها الحقيقي, وهو مختصّ بالتحريف المعنوي.

ب- المعنى الاصطلاحي:
هو وقوع التغيير في ألفاظ القرآن وحروفه وحركاته,

247
تبديلاً وترتيباً, ونقصاً وزيادةً6.

وتجدر الإشارة إلى إنّ القرآن لم يستخدم مفهوم التحريف إلا بمعناه اللغوي، في حين أنّ محور بحث صيانة القرآن عن التحريف يختصّ بالتحريف بمعناه الاصطلاحي.

2- أقسام التحريف:
أ- التحريف المعنوي:
وهو المعنى اللغوي نفسه للتحريف، ويُراد به: تفسير القرآن بغير حقيقته، وحمله على غير معناه. ولا شكّ في وقوع هذا القسم من التحريف في القرآن, وهو ما أشارت إليه الروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام, والتي ذمّت مَنْ فَعَلَه:
عن الإمام علي عليه السلام: "... إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهّالاً، ويموتون ضلّالاً ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب, إذا تلي حقّ تلاوته، ولا سلعة أنفق بيعاً ولا أغلى ثمناً من الكتاب, إذا حرِّف عن مواضعه..."7.

وعن الإمام الباقر عليه السلام: "... وكان من نبذهم الكتاب: أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية..."8.

ب- التحريف اللفظي:
وهو المعنى الاصطلاحي نفسه، ويُتَصوّر وقوعه على أنحاء9، هي:

248
- النحو الأوّل: التغيير في الحركات والحروف. وهذا القسم واقع في القرآن حتماً، ومثاله: تعدّد القراءات، حيث قرأ حمزة (عليهِمْ): عليهُمْ. وقرأ أبو جعفر ونافع (يُغْفَر لكم)، والباقون(نَغْفِر لكم).

- النحو الثاني: النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، أو إبدال كلمة بكلمة. وهذا التحريف على فرض وقوعه, فإنّه قد وقع قبل الجمع، ولكن بعد الجمع لا يوجد تحريف كهذا, فإنّ القرآن الذي جُمِعَ هو القرآن الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتّفاق المسلمين وتسالمهم عليه. ومثاله: ما رواه الطبري: أنّ أبا الدرداء كان يُقرىء رجلاً:
﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ, قال: فجعل الرجل يقول: (إنّ شجرة الزقوم طعام اليتيم). قال: فلمّا أكثر عليه أبو الدرداء فرآه لا يفهم، قال: (إنّ شجرة الزقوم طعام الفاجر)10. والرواية في نفسها ضعيفة.

- النحو الثالث: التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة. ومثاله: البسملة، حيث اتّفقوا على قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها قبل كلّ سورة إلا براءة، واتّفق الشيعة على
قرآنيّتها، واختلف السنّة في قرآنيّتها.

- النحو الرابع: التحريف باشتمال القرآن على الزيادة. وهذا مجمع على عدم وقوعه بين المسلمين قاطبة.

- النحو الخامس: التحريف بالنقيصة, بمعنى ضياع شيء من القرآن وعدم وصوله إلينا. والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف, فأثبته قوم، ونفاه آخرون.

3- آراء علماء الإماميّة في المسألة:

من المتسالم عليه بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن لا بالزيادة

249
ولا بالنقيصة، وأنّ الموجود ما بين أيدينا هو جميع القرآن المنزل على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم, وقد صرّح بذلك كثير من كبار أعلام الشيعة الإماميّة، منهم:
- الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق القمي (ت: 381هـ): "اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك... ومن نسب إلينا أنّا نقول: إنّه أكثر من ذلك, فهو كاذب"11.

- السيد المرتضى علم الهدى (ت: 436هـ): "إنّ العلم بصحّة نقل القرآن, كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة, فإنّ العناية اشتدّت، والدواعي توافرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه في ما ذكرناه, لأنّ القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية. وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كلّ شيء اختُلِفَ فيه, من إعرابه، وقراءته، وحروفه، وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً، مع العناية الصادقة، والضبط الشديد"12.

- الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت: 460هـ): "وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه (أي القرآن) فمّما لا يليق به أيضاً, لأنّ الزيادة فيه مُجمَع على بطلانها، والنقصان منه، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا"13.

- الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت: 548هـ): "الكلام في زيادة القرآن ونقصانه, فإنّه لا يليق بالتفسير. فأمّا الزيادة فيه: فمجمع على بطلانه.

250
وأما النقصان منه: فقد روى جماعة من أصحابنا، وقوم من حشوية العامّة أنّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه"14.

- الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت: 1228هـ): "لا ريبَ في أنّه مَحفوظ من النقصان, بحفظ الملك الديّان, كما دلّ عليه صريح القرآن، وإجماع العلماء في جميع الأزمان، ولا عبرة بالنادر. وما ورد من أخبار النقيصة تَمنع البديهة من العمل بظاهرها، ولا سيّما ما فيه نقص ثلث القرآن، أو كثير منه، فإنّه لو كان ذلك, لتواتر نقله لتوفّر الدواعي عليه، ولاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله. ثمّ كيف يكون ذلك، وكانوا شديدي المحافظة على ضبط آياته وحروفه"15.

- الشيخ محمد جواد البلاغي (ت: 1352هـ): "وممّا ألصقوه بالقرآن المجيد: ما نقله في فصل الخطاب عن كتاب (دبستان المذاهب) أنّه نُسِبَ إلى الشيعة أنّهم يقولون: إنّ إحراق المصاحف سبب إتلاف سور من القرآن نزلت في فضل علي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام, منها: هذه السورة، وذكر كلاماً يضاهي خمساً وعشرين آية في الفواصل، قد لُفِّقَ من فقرات القرآن الكريم على أسلوب آياته، فاسمع ما في ذلك من الغلط، فضلاً عن ركاكة أسلوبه الملفَّق... فيا للعجب من صاحب (دبستان المذاهب) من أين جاء بنسبة هذه الدعوى إلى الشيعة، وفي أيّ كتاب لهم وجدها. أفهكذا يكون النقل في الكتب، ولكن لا عجب، فكم نقلوا عن الشيعة مثل هذا النقل الكاذب, كما في كتاب الملل للشهرستاني، ومقدّمة ابن خلدون، وغير ذلك ممّا كتبه بعض الناس في هذه السنين، والله المستعان"16.

251
- السيد محسن الأمين العاملي (ت: 1371هـ): "لا يقول أحد من الإمامية, لا قديماً ولا حديثاً: إنّ القرآن مزيد فيه قليل أو كثير، فضلاً عن كلّهم، بل كلّهم متّفقون على عدم الزيادة، ومن يعتد بقوله من محقّقيهم متّفقون على أنّه لم ينقص منه"17.

- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت: 1373هـ): "والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذّة، وأخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، فإمّا أن تأوّل بنحو من الاعتبار، أو يُضرَب بها الجدار"18.

- السيد عبد الحسين شرف الدين (ت: 1377هـ): "والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنّما هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، لا يزيد حرفاً، ولا ينقص حرفاً، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة، ولا لحرف بحرف، وكلّ حرف من حروفه متواتر في كلّ جيل, تواتراً قطعياً إلى عهد الوحي والنبوة"19.

- السيد محمد حسين الطباطبائي (ت: 1402هـ): "من ضروريات التاريخ: أنّ النبي العربي محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء قبل أربعة عشر قرناً تقريباً، وادّعى النبوة، وانتهض للدعوة، وآمن به أمّة من العرب وغيرهم، وأنّه جاء بكتاب يسمّيه القرآن، وينسبه إلى ربّه، متضمّن لجمل المعارف، وكلّيّات الشريعة التي كان يدعو إليها، وكان يتحدّى به، ويعدّه آية لنبوته، وأنّ القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جاء به وقرأه على الناس المعاصرين له في الجملة, بمعنى: أنّه لم يَضِعْ مِن أصله,

252
بأن يُفقَد كلّه، ثمّ يوضع كتاب آخر يشابهه في نظمه أو لا يشابهه، وينسب إليه، ويشتهر بين الناس بأنّه القرآن النازل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم . فهذه أمور لا يَرتاب في شيء منها إلا مصاب في فهمه، ولا احتمل بعض ذلك أحد من الباحثين في مسألة التحريف من المخالفين والمؤالفين"20.

- السيد روح الله الموسوي الخميني (ت: 1410هـ): "منع وقوع التحريف فيه جدّاً (أي في القرآن)، كما هو مذهب المحقّقين من علماء العامّة والخاصّة... وبالجملة: ففساد هذا القول الفظيع(أي القول بالتحريف)، والرأي الشنيع، أوضح من أن يخفى على ذي مسكة، إلا أنّ هذا الفساد قد شاع على رغم علماء الإسلام وحفّاظ شريعة سيد الأنام"21.

- السيد أبو القاسم الخوئي (ت: 1413هـ): "المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن، وأنّ الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم, وقد صرّح بذلك كثير من الأعلام... وجملة القول: أنّ المشهور بين علماء الشيعة ومحقّقيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف... والحق، بعد هذا كلّه: أنّ التحريف بالمعنى الذي وقع النزاع فيه غير واقع في القرآن أصلاً"22.

4- أهمّيّة إثبات صيانة القرآن عن التحريف:

إنّ لإثبات مسألة صيانة القرآن عن التحريف آثار وفوائد مهمّة وحسّاسة23، أبرزها:

253
أ- إمكانية الاستفادة من القرآن, لأنّه مع ثبوت التحريف لا يمكن الاستدلال بالقرآن أو الاستنباط منه.
ب- إثبات النبوّة والرسالة, لأنّ فرض ثبوت التحريف يستلزم نفي الإعجاز والتحدّي بالإتيان بمثل القرآن، وبالتالي انتفاء صفة الإعجاز عن الأمر الرئيس المُثبِت لنبوّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحقّانيّة رسالته.
ج- إنّ القرآن ميزان اعتبار الروايات وقد أمرنا أهل البيت عليهم السلام بعرضها على القرآن، وبثبوت تحريفه, لا يمكن عرض الروايات عليه, فيتعطّل بذلك الأخذ بها.



يتبع


الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:41 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه
1- القرآن الكريم.
2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج2، ص42-43.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص228-229.
4- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص104، 10
5- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص197-207.
6- الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، الخطبة17، ص54.
7- الكليني، الكافي، ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.
8- الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج25، ح24094، ص169.
9- ابن بابويه، الاعتقادات في دين الإماميّة، ص84.
10- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص42-43.
11- الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج1، ص3.
12- كاشف الغطاء، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء، ج3، ص453-454.
13- البلاغي، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، ج1، ص24-25.
14- الأمين، أعيان الشيعة، ج1، ص41.
15- كاشف الغطاء، أصل الشيعة وأصولها، ص220.
16- شرف الدين، الفصول المهمّة في تأليف الأئمّة، ص175.
17- الخميني، أنوار الهداية، ج1، ص243-247.
18- نجارزادكان، سلامة القرآن من التحريف وتفنيد الافتراءات على الشيعة الإماميّة...، ص15-16.

هوامش
1- انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج2، مادّة"حرف"، ص42-43.
2- سورة النساء، الآية: 46.
3- سورة المائدة، الآية:41.
4- سورة البقرة، الآية: 75.
5- انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"حرف"، ص228-229.
6- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص198-190.
7- الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، م.س، الخطبة17، ص54.
8- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.
9- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص197-200, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص104.
10- الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، م.س، ج25، ح24094، ص169.
11- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين (الصدوق): الاعتقادات في دين الإماميّة، تحقيق عصام عبد السيد، ط2، بيروت، دار المفيد، 1414هـ.ق/ 1993م، ص84.
12- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص43.
13- الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص3.
14- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص42-43.
15- كاشف الغطاء، جعفر: كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء، تحقيق ونشر مكتب الإعلام الإسلامي، ط1، قم المقدّسة، 1422هـ.ق/ 1380هـ.ش، ج3، ص453-454.
16- البلاغي، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص24-25.
17- الأمين، محسن: أعيان الشيعة، تحقيق وتخريج حسن الأمين، لاط، بيروت، دار التعارف، لات، ج1، ص41.
18- كاشف الغطاء، محمد حسين: أصل الشيعة وأصولها، تحقيق علاء آل جعفر، ط1، مؤسّسة الإمام علي عليه السلام, مطبعة ستاره، 1415هـ.ق، ص220.
19- شرف الدين، عبد الحسين: الفصول المهمّة في تأليف الأئمّة، ط1، لام، نشر قسم الإعلام الخارجي لمؤسّسة البعثة، لات، ص175.
20- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص104.
21- الإمام الخميني، روح الله: أنوار الهداية، تحقيق ونشر مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني قدس سره، ط1، إيران، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، 1413هـ.ق/ 1372هـ.ش، ج1، ص243-247.
22- السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص200-207.
23- لمزيد من التفصيل، انظر: المحمّدي، فتح الله(نجارزادكان): سلامة القرآن من التحريف وتفنيد الافتراءات على الشيعة الإماميّة...، لاط، طهران، نشر مؤسّسة فرهنكي وهنري مشعر، 1424هــ.ق، ص15-16.
24- انظر: الإمام الخميني، أنوار الهداية، م.س، ج1، ص244-247

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:42 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 17

المحتوى التفصيلي: أبرز أدلّة صيانة القرآن عن التحريف:
ذكر الباحثون في علوم القرآن والمفسّرون أدلّة عدّة على صيانة القرآن عن التحريف، أبرزها التالي:
1- الدليل القرآني:
أ- قوله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾1. من أجمع الأوصاف التي يذكرها القرآن لنفسه أنّه ذِكْر لله, فإنّه يذكِّر به تعالى, بما أنّه آية دالّة عليه, حيّة خالدة. وتفيد هذه الآية أنّ الله تعالى هو حافظ هذا القرآن في مرحلتي التنزيل والبقاء، حيث أُطلِقَ الذِكْر وأُطلِقَ الحِفظ, فالقرآن محفوظ بحفظ الله عن كلّ زيادة ونقيصة وتغيير في اللفظ أو في الترتيب يزيله عن الذِكريّة ويُبطِل كونه ذكراً لله سبحانه بوجه. وقد وُضِعَت كلّ عوامل التأكيد بعضها إلى جانب بعضها الآخر, لبيان هذه الحقيقة المهمّة والخالدة2.
263
ب- قوله تعالى: ﴿...وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ...3. العزيز: عديم النظير أو المنيع الممتنع من أن يُغلَب، والمعنى الثاني أنسب, لما يتعقّبه من قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ.... والمدلول هو: أنّه لا تناقض في بياناته، ولا كذب في أخباره، ولا بطلان يتطرّق إلى معارفه وحكمه وشرائعه، ولا يُعارَض ولا يُغيَّر, بإدخال ما ليس منه فيه، أو بتحريف آية من وجه إلى وجه. وكيف لا يكون كذلك؟! وهو منزَّل من حكيم متقِن في فعله، لا يشوب فعله وهن، محمود على الإطلاق. فهذه الآية تنفي أيّ احتمال للتحريف بالزيادة أو التحريف بالنقصان، وتشير إلى أنّ خاصّيّة الحفظ جاءت من داخل القرآن, بفعل تماسك بنيانه4.

وغيرهما آيات كثيرة تدلّ على صيانة القرآن عن التحريف5.
إشكال: إنّ الاستدلال بالقرآن على عدم حصول تحريف في القرآن، لا يصحّ إلا إذا ثبت أنّ ما يُستدلّ به من آيات هي من القرآن، فمن أين نعلم أنّها من القرآن، وأنّها ليست محرّفة؟

والجواب عنه:

- إنّ مدّعي التحريف لا يذهب إلى القول بالتحريف بالزيادة. وعليه، فإنّ عدم الزيادة في القرآن أمر متّفق عليه, فيمكن عندها الاستدلال بالقرآن نفسه على صيانته عن التحريف.
- عدم ورود هذه الآيات المستدلّ بها على التحريف في نصوص الروايات التي ادّعي دلالتها على التحريف.

264
- ظهور هذه الآيات ينفي الادّعاء الإجمالي بوقوع التحريف في القرآن.
- إنّ الآيات الدالّة على صيانة القرآن عن التحريف تثبت عدم وجود نقص في القرآن، بعد الفراغ عن قرآنيّتها, ولازم ذلك صيانة القرآن عن التحريف مطلقاً.

2- الدليل الروائي:
أ- روايات الثقلين
6: ومفاد هذه الروايات: "إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما, لن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض". ووجه الاستدلال بها:
أنّ القول بالتحريف يستلزم عدم وجوب التمسّك بالكتاب المنزل, لضياعه على الأمّة, بسبب وقوع التحريف، ولكن وجوب التمسّك بالكتاب باقٍ إلى يوم القيام, لصريح حديث الثقلين, فيكون القول بالتحريف باطلاً جزماً. وقد دلّت هذه الروايات على اقتران العترة بالكتاب، وعلى أنّهما باقيان في الناس إلى يوم القيامة، فلا بدّ من وجود شخص يكون قريناً للكتاب، ولا بدّ من وجود الكتاب ليكون قريناً للعترة, حتى يردا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحوض، وليكون التمسّك بهما حفظا للأمّة عن الضلال7.

ب- روايات التمسّك بالقرآن
8: حيث توصينا هذه الروايات بالرجوع إلى القرآن عند الفتن والشدائد، وتصف القرآن بأنّه ملاذ حصين. فإذا كان الكتاب نفسه لم يسلم من فتن الزمان, كيف يمكنه حماية الآخرين من أضرار الفتن؟

ج- روايات العرض على القرآن
9: وردت روايات عن أهل البيت عليهم السلام جاء فيها: "إنّ

265
على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه"، "كلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف"، "ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف"، "اعرضوها (أي الروايات) على كتاب الله، فما وافى كتاب الله عزّ وجلّ, فخذوه، وما خالف كتاب الله, فردّوه".

ويفهم من مجموع هذه الروايات أنّ القرآن هو الميزان الحقّ الذي يعتمد عليه في كشف الحقّ من الباطل والتمييز بينهما. وعليه، فكلّ رواية تشير إلى تحريف القرآن، إذا تعذّر تأويلها وتوجيهها, تكون باطلة وموضوعة ولا اعتبار لها10.

د- أمر الأئمّة عليهم السلام بقراءة سورة كاملة بعد الفاتحة في الصلاة:
فلو كان القرآن محرّفاً, لما صحّ الأمر بالقراءة منه، ولكان الأمر بالقراءة منه لغواً وتكليفاً بغير المقدور للمكلّف. وهذا ما لا يلتزم به القائلون بالتحريف11.

نعم، إنّ هذه الروايات لا تنهض بنفي دعوى وقوع نقص في القرآن بسورة كاملة أو أكثر من سورة.

هـ- روايات تلاوة القرآن وفضلها وثوابها
12: إنّ مجموع هذه الروايات يفيد أنّ القرآن الموجود بين أيدينا غير محرّف, وإلا لكانت هذه الروايات لغواً، غير مقدور تحصيل ثوابها للمكلّف13.

و- روايات صيانة القرآن عن التحريف المرويّة عن الأئمّة عليهم السلام:
حيث تدلّ هذه الروايات على صيانة القرآن عن التحريف، ومنها:

- ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "... وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه

266
وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية..."14.

- ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما بين الدفتين قرآن"15.

- ما روي عن الإمام العسكري عليه السلام: "اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك: أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الإجماع عليه مصيبون، وعلى
تصديق ما أنزل الله مهتدون..."
16.

3- الدليل العقلي:
ذكر الباحثون والمحقّقون في مجال علوم القرآن والتفسير عدّة تقريبات للدليل العقلي على صيانة القرآن عن التحريف17. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه التقريبات ليست عقليّة بحتة, لأنّها تتضمّن مقدّمات متسالم عليها بين المسلمين، وليس عقلية يقينية خالصة. ومن هذه التقريبات: التقريب التالي, وهو يتألّف من مقدّمات عدّة، هي:
أ- إنّ القرآن كتاب هداية للعالمين.
ب- القرآن كتاب خاتم، كما أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رسول خاتم.
ج- إذا حرّف القرآن يترتّب على ذلك إضلال الناس.
د- مقتضى حكمة الله تعالى أن ينزّل كتاباً آخر ويُرسل رسولاً آخر, وهذا يلزم منه: إمّا تكذيب الله سبحانه, لأنّه أخبر بأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الرسل ورسالته خاتمة الرسالات، وإمّا نسبة الجهل إليه تعالى على فرض اكتشافه ضرورة إرسال

267
نبي آخر ورسالة أخرى.

النتيجة
: إذن، القرآن لم يحرّف.

4- الإعجاز القرآني:

ويقوم هذا الدليل على مقدّمات عدّة18، هي:
أ- ثبوت التحدّي بالقرآن تاريخياً في عصر الرسالة والدعوة.
ب- القرآن الموجود بين أيدينا هو في الجملة القرآن الموجود في عصر الدعوة.
ج- مواصفات القرآن الموجود بين أيدينا هي نفسها المواصفات المنقولة عن القرآن الموجود في عصر الدعوة, لجهة التحدّي بالوجوه الإعجازية المختلفة.
د- لو كان القرآن الموجود بين أيدينا محرّفاً, لما انطبقت عليه هذه الصفات والوجوه الإعجازية.
النتيجة: إذن القرآن لم يحرّف.

وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الدليل لا ينهض بمفرده في إثبات عدم وقوع التحريف بالنقيصة، وإن كان يثبت عدم وقوع التحريف بالزيادة.
وعليه، يمكن أن يُتمَّم هذا الدليل بضميمة ما ثبتت قرآنيّته من الآيات الدالّة على صيانة القرآن عن التحريف مطلقاً.

5- الشواهد التاريخية:

يوجد شواهد تاريخية كثيرة تدلّ بوضوح على صيانة القرآن الكريم عن التحريف19، منها:
أ- من ضروريات التاريخ: أنّ النبي العربي محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء قبل أربعة عشر قرناً

268
تقريباً، وادّعى النبوة، وانتهض للدعوة، وآمن به أمّة من العرب وغيرهم، وأنّه جاء بكتاب يسمّيه القرآن، وينسبه إلى ربّه، متضمّن لجمل المعارف، وكلّيّات الشريعة التي كان يدعو إليها، وكان يتحدّى به، ويعدّه آية لنبوته، وأنّ القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جاء به وقرأه على الناس المعاصرين له.

ب- توافر الدواعي على نقله وحراسته وصيانته, لأنّ القرآن معجزة النبوة ودليل الرسالة الخاتمة، ولا سيما في وجه أصحاب البدع والتحريف، الذين يترصّدون شرّاً بالإسلام والقرآن.

ج- شدّة عناية المسلمين بحفظ القرآن وتلاوته، وضبطهم الشديد في هذا الصدد.

د- لو كان القرآن محرّفاً, لاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله.

هـ- وجود بعض الأخطاء في رسم المصحف حتى يومنا هذا، مع التفات المسلمين لها بعد توحيد المصاحف, مؤشّر واضح على شدّة عنايتهم بحفظ القرآن وعدم المساس به.



يتبع


الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:42 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه
1- القرآن الكريم.
2- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص104-108, ج17، ص398-399.
3- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص43-45، 200-211، 214-215.
4- الصفّار، بصائر الدرجات، ج8، باب 17 في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إنّي تارك فيكم الثقلين"، ح1-6، ص433-43
5- ابن حنبل، مسند أحمد، ج3، ص1
6- النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج3، ص14
7- المتّقي الهندي، كنز العمّل في سنن الأقوال والأفعال، ج1، ح943-955، ص185-187.
8- الكليني، الكافي، ج1، المقدّمة، ص8, كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، ح1-5، ص69, ج2، كتاب فضل القرآن، باب في تمثّل القرآن وشفاعته لأهله، ح1-14،
ص598-602, باب فضل حامل القرآن، ح1-11، ص603-606, باب من يتعلّم القرآن بمشقّة، ح1-3، ص606-607, باب ثواب قراءة القرآن، ح1-7، ص611-613, ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.
9- مجموعة من المحدّثين، الأصول الستّة عشر، أصل حسين بن عثمان بن شريك العامري، ص111.
10- الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص251.
11- نجارزادكان، سلامة القرآن من التحريف...، ص34-37.
12- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص43.

هوامش
1- سورة الحجر، الآية: 9.
2- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص106, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص207-209.
3- سورة فصّلت، الآيتان: 41-42.
4- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج17، ص398-399, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص210-211.
5- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (البقرة: 2), ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (السجدة: 2), ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (يونس: 37), ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (الفرقان: 30), ...
6- تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الروايات متواترة تواتراً معنوياً بين المسلمين, وهي منقولة في كتب السنّة والشيعة. انظر: الصفّار، بصائر الدرجات، م.س، ج8، باب 17 في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إنّي تارك فيكم الثقلين"، ح1-6، ص433-434, ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج3، ص14, النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، م.س، ج3، ص148, المتّقي الهندي، كنز العمّل في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج1، ح943-955، ص185-187.
7- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص211, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص107.
8- انظر: الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب في تمثّل القرآن وشفاعته لأهله، ح1-14، ص598-602.
9- انظر: الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، المقدّمة، ص8, كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، ح1-5، ص69.
10- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص107-108.
11- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص214-215.
12- انظر: الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن، ح1-11، ص603-606, باب من يتعلّم القرآن بمشقّة، ح1-3، ص606-607, باب ثواب قراءة القرآن،
ح1-7، ص611-613, ...
13- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108.
14- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.
15- انظر: مجموعة من المحدّثين: الأصول الستّة عشر، أصل حسين بن عثمان بن شريك العامري، ط2، قم المقدّسة، دار الشبستري للمطبوعات, مطبعة مهديه، 1405/ 1363هـ.ش، ص111.
16- انظر: الطبرسي، الفضل بن الحسن: الاحتجاج، تعليق محمد باقر الخرسان، لاط، النجف الأشرف، دار النعمان، 1386هـ.ق/ 1966م، ج2، ص251.
17- انظر: المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف...، م.س، ص37, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص43-45.
18- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص104-107.
19- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص43, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص104, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص200 -207, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف...، م.س، ص34-36.
20- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص106-107.
21- سورة الحجر، الآية: 9.
22- سورة فصّلت، الآيات: 40-42.

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:43 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 18

شبهات في وقوع التحريف:
1- الشبهة الأولى: دعوى دلالة طوائف من الروايات على وقوع التحريف:
أ- الطائفة الأولى: الروايات التي تتحدّث عن مصحف الإمام علي عليه السلام, منها:
- ما روي عن الإمام علي عليه السلام: "ولقد أحضروا الكتاب كملاً مشتملاً على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، لم يسقط منه حرف ألف ولا لام، فلمّا وقفوا على ما بيّنه الله من أسماء أهل الحقّ والباطل، وأنّ ذلك إن أُظْهِرَ نقص ما عهدوه، قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا"1.

- ما رواه جابر عن الإمام الباقر عليه السلام: "ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أُنزِلَ إلا كذّاب، وما جمعه وحفظه كما نزَّله الله تعالى, إلا علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمّة من بعده عليهم السلام ""ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه, ظاهره وباطنه، غير الأوصياء"3.

277
الجواب عنها: الإجماع عند الشيعة والسنّة على أنّ الزائد فيه إنّما هو التأويل والتنزيل, شرحاً للمراد4.

ب- الطائفة الثانية:
الروايات التي جاء فيها لفظ التحريف صريحاً، منها:
- ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "أصحاب العربية يحرفون الكلم عن مواضعه"5.

- ما رواه علي بن سويد: كتبت إلى أبي الحسن الأوّل (الإمام موسى الكاظم عليه السلام) وهو في الحبس، فذكر عليه السلام في جوابه: "... اؤتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه..."6.

- ما رواه ابن شهر آشوب بإسناده إلى الإمام أبي عبدالله الحسين عليه السلام يوم عاشوراء: "إنّما أنتم من طواغيت الأمّة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، وعصبة الآثام، ومحرّفي الكتاب"7.

- ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "... وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية..."8.

الجواب عنها:
المقصود بالتحريف فيها هو خصوص التحريف المعنوي، أو اختلاف القراءات وإعمال الاجتهاد فيها9.

ج- الطائفة الثالثة:
الروايات التي تشير إلى قراءات منسوبة إلى بعض الأئمّة عليهم السلام, منها:

278
- ما رواه غالب بن الهذيل: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ على الخفض هي أم على النصب؟ قال عليه السلام: "بل هي على الخفض"10.
- ما رواه حريز: أنّ الإمام الصادق عليه السلام قرأ:
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ (من) ثِيَابَهُنَّ.
- ما رواه أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السلام: أنّه قرأ قوله تعالى:
﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ قرأها يُنْطَق11.

الجواب عنها
12:
- هي أخبار آحاد لا يُعتدّ بها.
- إنّ الاختلاف في القراءة لا يسري إلى الاختلاف في المعنى المُوحَى.

د- الطائفة الرابعة:
روايات الفساطيط: هي روايات وردت بشأن فساطيط تضرب ظهر الكوفة أيام ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف لتعليم الناس قراءة القرآن وفق ما جمعه أمير المؤمنين عليه السلام, منها:
- ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضرب فساطيط لمن يعلّم الناس القرآن، على ما أنزل الله. فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم, لأنّه يخالف فيه التأليف"13.

- ما رواه سالم بن مسلمة: قرأ رجل على أبي عبدالله عليه السلام وأنا استمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأه الناس، فقال عليه السلام: "كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما

279
يقرأ الناس, حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف قرأ كتاب الله عزّ وجلّ على حدّه، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام"14.

الجواب عنها
15: ما يعلّم للناس في الفساطيط هو هذا المصحف, بترتيب نزول مصحف الإمام علي عليه السلام.

هـ- الطائفة الخامسة: روايات ورد فيها ذِكْر بعض أسماء الأئمّة عليهم السلام في القرآن، منها:
- ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام"16.
- ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "لو قد قرىء القرآن كما أنزل, لألفيتنا فيه مسمّين"17.
- ما روي عن الإمام الرضا عليه السلام: "ولاية علي عليه السلام مكتوبة في جميع صحف الأنبياء..."18.

- الجواب عنها
19:
- إنّهم مذكورون فيه بصفاتهم ونعوتهم الدالّة عليهم وعلى فضائلهم المختصّة بهم.
- التاريخ لم يذكر لنا أبداً أنّ أحداً احتجّ على غاصبي الخلافة بهذه الآيات المفترضة، وإلا لكانت أحقّ بالاحتجاج.

280
- الروايات واردة فيهم على نحو التفسير للمراد، فتكون على نحو الجري والتطبيق ومعرفة المصداق الحقيقي للآيات.

و- الطائفة السادسة:
روايات التحريف بالنقيصة، منها:
- ما روي عن الإمام علي عليه السلام: أنّه قرأ قوله تعالى:
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ (بظلمه وسوء سريرته) وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ20.

- ما رواه عمّار الساباطي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الله تعالى قال بشأن الإمام علي عليه السلام:
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ (أنّ محمداً رسول الله) وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (أنّ محمداً رسول الله وأنّه ساحر كذّاب) إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ، ثمّ قال عليه السلام: هذا تأويله يا عمّار21.

- روي أنّه قرأ رجل عند الإمام الصادق عليه السلام:
﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فقال عليه السلام: "ليس هكذا هي، إنّما هي والمأمونون، فنحن المأمونون"22.

- ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى محمّد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية"23.

الجواب عنها بالترتيب
24:
- الأولى: فيها دلالة واضحة على كونه شرحاً وتفسيراً للمراد من الآية.
- الثانية: إنّ ورود ألفاظ التنزيل والتأويل، يُحمَل على الشرح للمراد، وبيان معانيه ومصاديقه.

281
- الثالثة: هي بصدد بيان أبرز المصاديق وأكملها.
- الرابعة: ورد في نسخة مصحّحة من الكافي، وفي كتاب الوافي للفيض الكاشاني: أنّه يوجد زيادة للفظ عشرة, فيكون الحديث سبعة آلاف آية، وليس سبعة عشرة ألف آية. أضف إلى
ذلك أنّ مسألة عظيمة كهذه لا بدّ من بيانها بشكل واضح, فلا تثبت بخبر الواحد.

ز- الطائفة السابعة:
روايات كثيرة بلغت حدّ التواتر نقلها الشيعة والسنة، مفادها: أنّ كلّ ما وقع في الأمم السابقة، لا بدّ وأن يقع مثله في هذه الأمّة، وبما أنّ كتبهم السماوية قد حُرِّفت، فلا بدّ من وقوع التحريف في القرآن أيضاً، وإلا فلن تكون هذه الأحاديث صحيحة، ومنها: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كلّ ما كان في الأمم السالفة، فإنّه يكون في هذه الأمّة مثله، حذو النعل بالنعل، والقُذّة بالقُذّة"25.

الجواب عنها26:
- إنّ هذا الدليل لو تمّ لكان دالاً على وقوع الزيادة في القرآن - أيضاً -, كما وقعت في التوراة والإنجيل. ومن الواضح بطلان ذلك, للتسالم والاتّفاق على عدم وقوع التحريف بالزيادة.

- يوجد كثير من الحوادث وقعت في الأمم السابقة لم يصدر مثلها في هذه الأمّة, كالتثليث، وعبادة العجل، وقصّة السامري، وغرق فرعون، ورفع النبي عيسى عليه السلام إلى السماء،
والتحريف بالزيادة في كتبهم، وما شابه ذلك. وعليه، فالمراد من ذلك المشابهة في بعض الوجوه، وليس التطابق في كلّ الأمور.

- يكفي للتشابه مع الأمم السالفة, وقوع التحريف المعنوي, بتضييع حدود القرآن

282
الكريم، وتفسيره بالرأي.

- إنّ كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المتقدّم عامّ يمكن تخصيصه واستثناء تحريف القرآن منه, استناداً إلى قوله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ27.

2- الشبهة الثانية:
كيفية جمع القرآن في صدر الإسلام وزمن الصحابة, تستلزم عادة وقوع التغيير والتحريف فيه, بسبب بدائة الخط، وعدم توافر الأدوات اللازمة للكتابة.

الجواب عنها: إنّ الجمع حصل في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضمن سور، ثمّ على يد الإمام علي عليه السلام ضمن مصحف، ثمّ على يد الصحابة ضمن مصاحف، ثمّ توحيد الرسم في زمن عثمان, وفي جميع هذه المحطّات كانت الدواعي متوافرة لحفظ القرآن وصيانته، وكان هناك تشديداً قلّ نظيره على حفظ القرآن وتدوينه, هذا مع كونه محفوظاً بالصدور إلى عهد يُتَيَقّن قبله تدوين القرآن, بناء على اختلاف الآراء في جمع القرآن وتدوينه28.

3- الشبهة الثالثة:
إنّ أكثر العامّة وجماعة من الخاصّة ذكروا في أقسام الآيات المنسوخة ما نسخت تلاوتها دون حكمها، وما نسخت تلاوتها وحكمها معاً.

الجواب عنها
29:
- لا يوجد في روايات الإمامية آية منسوخة التلاوة, سوى آية الرجم، وهي جاءت بخبر واحد سنداً، تعارضها روايات كثيرة مستفيضة تنفي نسخ التلاوة.
- إنّ نظرية نسخ التلاوة مع الحكم أو من دونه لا حقيقة لها.

283
4- الشبهة الرابعة: وجود مصاحف لدى الصحابة تختلف عن المصحف الموجود, لجهة اشتمالها على الزيادة.

الجواب عنها:
إنّ هذه الزيادات هي زيادات تفسيرية شارحة ومبيّنة للمراد، بعد فرض التسليم بثبوت نسبة ما هو مدّعى زيادته في هذه المصاحف إلى الصحابة30.

5- الشبهة الخامسة:
اختلاف القراءات يستلزم كون الموجود بين أيدينا من القرآن هو غير ما أُنزِلَ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الجواب عنها
: إنّ اختلاف القراءات والقرّاء لا يضرّ بالمعنى والمضمون المُوحَى، وإن أثّر أثره في كيفية أداء قراءة القرآن31.

6- الشبهة السادسة:
الأخبار الكثيرة الواردة في كتب أهل السنّة، والتي تثبت وقوع التحريف باللحن والخطأ في القرآن (دعوى وجود أخطاء نحوية)، وبالنقيصة والتبديل (إسقاط آية "مثل: آية الرجم"، أو سورة "مثل: سورة النورين، أو سورة الولاية"، أو حذف بعض الكلمات أو تبديلها)، وبالزيادة (الفاتحة والمعوذتين).

الجواب عنها
32:
- ضعف هذه الأخبار سنداً.
- تهافتها في ما بينها.
- إمكانية حمل دلالة بعضها على غير المدّعى, بأنّها من باب التفسير، والشرح، وبيان المراد، وبعض المصاديق وأكملها.
- معارضتها بأخبار صحيحة ومتواترة تنفي وقوع التحريف.
- عدم نهوضها أمام الأدلّة المُثبِتَة لصيانة القرآن عن التحريف.



يتبع


الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:44 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه
1- القرآن الكريم.
2- الطبرسي، الاحتجاج، ج1، ص383.
3- الكليني، الكافي، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّه لم يجمع القرآن...، ح1-2، ص228, باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، ح62، ص424, باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية، ح6، ص437, ج2، كتاب فضل العلم، باب النوادر، ح4، ص628, ح23، ص633, ح28، ص634, ج8، كتاب الروضة، ح11، ص50, ح16، ص53, ح246، ص204-205, ح435، ص289.
4- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص108-118.
5- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص220-232، 232-259، 285-286.
6- نجارزادكان، سلامة القرآن من التحريف...، ص64-91، 99-109، 111-118.
7- النوري، مستدرك الوسائل، ج4، باب 74 من أبواب قراءة القرآن...، ح8، ص280.
8- المجلسي، بحار الأنوار، ج2، باب من يجوز أخذ العلم منه...، ص82, ج45، باب ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام...، ص8.
9- الطوسي، تهذيب الأحكام، ج1، باب صفة الوضوء...، ح37، ص70-7
10- العكبري، الإرشاد، ج2، ص386.
11- العياشي، تفسير العياشي، ج1، ما عنى به الأئمّة عليهم السلام من القرآن، ح4، ص
12- الخميني، أنوار الهداية، ج1، ص243-24
13- الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص530.

هوامش
1- الطبرسي، الاحتجاج، م.س، ج1، ص383.
2- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّه لم يجمع القرآن...، ح1، ص228.
3- م. ن، ح2، ص228.
4- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص222-226, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف...، م.س، ص64-72، 103-104.
5- النوري، حسين: مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، لاط، بيروت، لات، ج4، باب 74 من أبواب قراءة القرآن...، ح8، ص280.
6- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج2، باب من يجوز أخذ العلم منه...، ص82.
7- م. ن، ج45، باب ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام بعد بيعة الناس...، ص8.
8- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.
9- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص226-229, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف...، م.س، ص72-75.
10- الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن: تهذيب الأحكام، تحقيق وتعليق حسن الموسوي الخرسان، ط3، طهران، دار الكتب الإسلامية, مطبعة خورشيد، 1364هـ.ش، ج1، باب صفة الوضوء...، ح37، ص70-71.
11- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، روضة، كتاب الح11، ص50.
12- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص232-235, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص75-77.
13- العكبري، محمد بن النعمان (المفيد): الإرشاد، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لتحقيق التراث، ط2، بيروت، دار المفيد، 1414هـ.ق/ 1993م، ج2، ص386.
14- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل العلم، باب النوادر، ح23، ص633.
15- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص77-79.
16- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح4، ص628.
17- العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، ما عنى به الأئمّة عليهم السلام من القرآن، ح4، ص13.
18- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب الحجّة، باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية، ح6، ص437.
19- لمزيد من التفصيل، انظر: الإمام الخميني، أنوار الهداية، م.س، ج1، ص243-245, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص229-232, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص79-84.
20- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح435، ص289.
21- م. ن، ح246، ص204-205.
22- م. ن، ج1، كتاب الحجّة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، ح62، ص424.
23- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل العلم، باب النوادر، ح28، ص634.
24- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص84-91.
25- الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، م.س، ص530.
26- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص110-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص220-222, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص99-100.
27- الحجر: 9.
28- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص235-259, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص100-102.
29- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص285-286, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص102-103.
30- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص104-109.
31- م. ن، ص111-116.
32- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص109، 116-118.
33- هذه الدعوى موجودة في المجامع الحديثية عند أهل السنّة.
34- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص178.
35- انظر: م. ن، ص190.
36- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص36-37.
37- انظر: السيوطي، جلال الدين: الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور، لاط، بيروت، دار المعرفة، لات، ج3، ص208.
38- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص177.
39- انظر: السيوطي، الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور، م.س، ج5، ص180.

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:45 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 19

- معنى النسْخ:
أ- المعنى اللغوي:
"النون والسين والخاء: أصل واحد, إلا أنّه مُختَلف في قياسه. قال قوم: قياسه رفع شيء وإثبات غيره مكانه. وقال آخرون: قياسه تحويل شيء إلى شيء. قالوا: النسخ نسخ الكتاب. والنسخ: أمر كان يُعمَل به مِن قبل، ثمّ يُنسَخ بحادث غيره, كالآية ينزل فيها أمر، ثمّ تنسخ بآية أخرى. وكلّ شيء خلف شيئاً, فقد انتسخه"1. و"النَّسْخُ: إزالةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَتَعَقَّبُه، فَتَارَةً يُفْهَمُ منه الإزالة، وتَارَةً يُفْهَمُ منه الإثباتُ، وتَارَةً يُفْهَم منه الأَمْرَانِ"2. وعليه، فإنّ المعنى الحقيقي للنسخ هو الإزالة، وقد استُخدم مجازاً بمعنى النقل والتحويل, لما فيهما من معنى الإزالة.

ب- المعنى الاصطلاحي:
النسخ هو: رفع تشريع3 سابق ـ كان يقتضي الدوام حسب ظاهره ـ بتشريعٍ لاحِق, سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفية أم الوضعية، وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الأمور التي ترجع

293
إلى الله تعالى بما أنّه شارع، بحيث لا يمكن اجتماع التشريعين معاً، إمّا ذاتاً, إذا كان التنافي بينهما بيّناً، وإمّا بدليل خاصّ, من إجماعٍ، أو نصٍّ صريح4.

2- إمكان النسخ ووقوعه:

تسالم العقلاء في ما بينهم على إمكان وقوع النسخ في التقنين, بإزالة حكم أو قانون واستبداله بآخر، في ما لو كان الحكم أو القانون الثاني الناسخ مشتملاً على مصلحة لا يشتمل عليها الحكم أو القانون الأوّل المنسوخ، أو في ما لو تبيّن للمقنّن أنّ الحكم أو القانون الأوّل لم يكن مشتملاً على المصلحة المطلوبة, ما دعاه إلى تقنينٍ آخر يستوفي تلك المصلحة.

وخالف في ذلك اليهود والنصارى في مجال الشرعيّات والتكوينيّات, لوجود شبهة لديهم في المسألة, حيث ادّعوا استحالة وقوع النسخ, لاستلزامه عدم حكمة الناسخ، أو جهله بوجه الحكمة، وكلا هذين اللازمين مستحيل في حقّه تعالى. وحقيقة الأمر في دحض هذه الشبهة:

أ- أنّ الحكم المجعول من قِبَل الشارع الحكيم قد لا يُراد منه البعث، أو الزجر الحقيقيين, كالأوامر التي يقصد بها الامتحان، وهذا النوع من الأحكام يمكن إثباته أولاً، ثمّ رفعه، ولا مانع من ذلك, فإنّ كلاً من الإثبات والرفع في وقته قد نشأ عن مصلحة وحكمة، فلا يلزم منه خلاف الحكمة.

ب- قد يكون الحكم المجعول حكماً حقيقياً، ومع ذلك يُنسَخ بعد زمان، لا بمعنى أنّ الحكم بعد ثبوته يُرفع في الواقع ونفس الأمر, كي يكون مستحيلاً على الحكيم العالم بالواقعيّات، بل هو بمعنى: أن يكون الحكم المجعول مقيّداً بزمان خاصّ معلوم عند الشارع منذ البداية، مجهول عند الناس, لمصلحة مرعية عند الشارع، ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان, لانتهاء أمده الذي قُيِّدَ به واقعاً. والنسخ

294
بهذا المعنى ممكن قطعاً, لبداهة دخالة خصوصيّات الزمان في مناطات الأحكام بما لا يشكّ فيه أيّ عاقل. فالنسخ في الحقيقة تقييد لإطلاق الحكم من حيث الزمان، ولا تلزم منه مخالفة الحكمة، ولا البداء بالمعنى المستحيل في حقّه تعالى.

ولا خلاف بين المسلمين في وقوع النسخ بين الشرائع السابقة واللاحقة, كنسخ الشريعة الإسلاميّة للشرائع السماوية السابقة عليها زماناً، وداخل الشريعة الواحدة نفسها, كتحويل القبلة.

وقد صرّح القرآن الكريم في آيات عدّة بوقوع النسخ، منها:
- قوله تعالى:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾5.
- قوله تعالى:
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾6.
- قوله تعالى:
﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾7.

وعليه، فإنّ النسخ ممكن الوقوع، وقد وقع فعلاً، ولكنّه نسخ بالمعنى المجازي لا بالمعنى الحقيقي للنسخ - أي بمعنى نشأة رأي جديد -، فهو حكم مؤقّت وتشريع محدود واضح أمره للمشرّع منذ بداية تشريعه، ولكن لمصلحة في التكليف أخفى الشارع المقدّس بيان أمد الحكم عن الناس، ومع انتهاء أمده شرَّع حكماً آخر مكانه. ولعلّ وجه الحكمة من هذا الإخفاء، يكمن في حثّ المكلّفين على الانبعاث لامتثال الحكم, كما لو أنّه حكماً مطلق الأمد8.

295
3- ضرورة معرفة الناسخ والمنسوخ:
إنّ لمعرفة الناسخ والمنسوخ أثر جلي في فهْم التشريع الإسلامي، بحيث لا يمكن للمجتهد استنباط حكم شرعيّ ما لم يكن له حظّ وافر من معرفة الناسخ والمنسوخ.

وقد شدّد الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام على ضرورة معرفة الناسخ والمنسوخ، منها:
أ- روي أنّ الإمام علي عليه السلام مرّ على قاضٍ، فقال له عليه السلام: هل تعرف الناسخ عن المنسوخ؟ فقال: لا، فقال عليه السلام: "هلكتَ وأهلكتَ، تأويل كلّ حرف من القرآن على وجوه"9.

ب- روي أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال لأبي حنيفة: "أنت فقيه أهل العراق؟" قال: نعم، قال عليه السلام: "فبِمَ تُفتيهم؟" قال: بكتاب الله وسنّة نبيّه، فقال له الإمام عليه السلام: "أتعرف كتاب الله حقّ معرفته، وتعرف الناسخ من المنسوخ؟" قال: نعم، قال عليه السلام: "لقد ادّعيت عِلماً. ويلك! ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أُنزِلَ عليهم. ويلك! ولا هو إلا عند الخاصّ من ذرّيّة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم"10.

4- الفرق بين النسخ والتخصيص:

يكمن الفرق بين النسخ والتخصيص في النقاط التالية:
أ- مقتضى النسخ انتهاء التشريع السابق، بعد أن عَمِل به المكلّفون لفترة من الزمن، بينما مقتضى التخصيص قصر الحكم العامّ على بعض أفراد الموضوع دون تمامها، وإخراج بقيّة الأفراد عن دائرة شمول الحكم, وذلك قبل أن يعمَل المكلّفون بعموم التكليف. فالنسخ هو نوع اختصاص للحكم ببعض الأزمان، والتخصيص

296
نوع اختصاص له ببعض الأفراد.

ب- الرافع للتنافي بين الناسخ والمنسوخ بعد استقراره بينهما، بحسب الظهور اللفظي, هو الحكمة والمصلحة الموجودة بينهما، بخلاف الرافع للتنافي بين العامّ والخاصّ, فإنه قوّة الظهور اللفظي الموجود في الخاصّ، المفسّر للعامّ بالتخصيص.

ويُعدّ كل ّ من الناسخ والمخصِّص وسيلة للكشف عن المراد الحقيقي للمشرّع11.

5- شروط النسخ:

ذُكِرَت شروط عدّة للنسخ الاصطلاحي12، أهمّها:
أ- وجود تنافي ذاتي بين الحكمين، بحيث لا يمكن اجتماعهما معاً في الوقت نفسه, كما في آيات وجوب الصفح مع وجوب آيات القتال، أو وجود تنافي بينهما ناتج عن دليل قطعي دلّ على نقض الحكم السابق بحكم لاحق, كما في حكم الاعتداد المبيّن في آية الإمتاع إلى الحول:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾13، مع حكم الاعتداد المبيّن في آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيام: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾14.
297
ب- أن يكون التنافي كلّيّاً على الإطلاق، لا جزئيّاً وفي بعض الجوانب, فإنّ الثاني تخصيص في الحكم العامّ، وليس من النسخ في شيء, فآية القواعد من النساء: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾15 لا تصلح ناسخة لآية غضّ البصر:﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾16، بعد أن كانت الأولى أخصّ من الثانية، والخاصّ لا ينسخ العامّ، بل يخصِّصه بما عداه من أفراد الموضوع.

ج- عدم تحديد أمد الحكم السابق, تصريحاً أو تلويحاً، حيث يرتفع الحكم بنفسه عند انتهاء أمده، من دون حاجة إلى نسخ, فقوله تعالى:
﴿...فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ...﴾17 لا يصدق عليه النسخ عندما تفيء الفئة الباغية وترجع إلى رشدها والتسليم لحكم الله.
298
د- تعلّق النسخ بالتشريعيّات18، فلا نسخ في ما يتعلّق بالأخبار. فقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾19 لا يصلح ناسخاً لقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾20.

هـ- وحدة الموضوع في الحكمين, لأنّ تغيّر الموضوع يستلزم تغيّر الحكم, فلا نسخ مع تغيّر الموضوع.

و- اشتمال الناسخ على ما في المنسوخ من كمال ومصلحة.



يتبع


الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:46 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه
1- القرآن الكريم.
2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج5، ص424.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص801.
4- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص249-253, ج11، ص375-382, ج12، ص345-346.
5- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص277-280.
6- العياشي، تفسير العياشي، ج1، في تفسير الناسخ والمنسوخ...، ح9، ص12.
7- الصدوق، علل الشرائع، ج1، باب81، ح5، ص89-90.
8- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج2، ص141-143، 145-146.
9- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج2، ص269-274.

هوامش
1- انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج5، مادّة"نسخ"، ص424.
2- انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"نسخ"، ص801.
3- ذهب العلامة السيد الطباطبائي قدس سره إلى أنّ النسخ غير مختصّ بالتشريعيات، بل يعمّ التكوينيّات أيضاً. انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص252.
4- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص249-253, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص277-278.
5- سورة البقرة، الآية: 106.
6- سورة النحل، الآية: 101.
7- سورة الرعد، الآية: 39.
8- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص249-253, ج12، ص345-346, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص279-280.
9- العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، في تفسير الناسخ والمنسوخ...، ح9، ص12.
10- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): علل الشرائع، تقديم محمد صادق بحر العلوم، لاط، النجف الأشرف، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها، 1385هـ.ق/ 1966م، ج1، باب81، ح5، ص89-90.
11- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص253, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص145-146, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص271-272.
12- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان، م.س، ج1، ص252-253, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص141, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص272-274.
13- سورة البقرة، الآية: 240.
14-سورة البقرة، الآية: 234.
15- سورة النور، الآية: 60.
16- سورة النور، الآية: 31.
17- سورة الحجرات، الآية: 9.
18- يرى السيد الطباطبائي قدس سره أنّ النسخ يتعلّق بالتكوينيّات فضلاً عن التشريعيّات، ولعلّ مُرَاده بالنسخ بالتكوينيّات هو البَدَاء. انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص252.
19- سورة الواقعة، الآيتان: 39-40.
20- سورة الواقعة، الآيتان: 13-14.
21- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج11، ص375-382, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص142-143, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص269-270.
22- سورة الرعد، الآية: 39.

الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

يمكن للزوار التعليق أيضاً وتظهر مشاركاتهم بعد مراجعتها



عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:
 
بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع :


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 07:24 AM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin